في قلب سنغافورة، يقف مسجد عمر الجنيد شامخًا كرمزٍ حيٍ لتاريخٍ طويل من الهجرة الإسلامية والحضارة الحضرمية. لم يكن هذا المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان نواة لنشاط ديني وثقافي واجتماعي أسسه السيد عمر بن علي الجنيد منذ أوائل القرن التاسع عشر، حاملاً معه قيم العلم والدعوة والإصلاح من حضرموت إلى جنوب شرق آسيا. ومن خلال هذا المسجد وغيره من مشاريعه الخيرية والتعليمية، استطاع الجنيد أن يرسّخ الهوية الإسلامية ويترك بصمة حضرمية لا تُنسى في المجتمع السنغافوري، حتى بات المسجد اليوم شاهدًا حيًا على إرثه الروحي والثقافي .
ولمعرفة كيف تكوّنت شخصية هذا الرجل الذي رسّخ حضورًا حضرميًا لافتًا في سنغافورة، ينبغي أن نعود إلى بداياته في تريم .
مولده ونشأته
ولد السيد عمر بن علي بن هارون الجنيد، بمدينة تريم في حضرموت سنة 1207 هـ/ 1792 م، والدته السيدة علوية بنت أبي بكر عيديد. تربى ونشأ في كنف والديه، وتلقى مبادئ العلوم والدين على كثير من علماء تريم وغيرها من البلاد الحضرمية، تزوج من علوية الكاف وأنجب في سنغافورة خمسة أبناء : علوي، وعلي، وجنيد، وعبد الله، وأبو بكر. وكان يرسلهم إلى حضرموت لربطهم بأصولهم .
هجرته إلى سنغافورة
في أواخر سنة 1239 هـ / 1824 م، رحل من حضرموت قاصداً سنغافورة، التي كان قد سبقه إليها من قبل عمه محمد بن هارون الجنيد، تاركاً وراءه عائلة كبيرة بسنغافورة. وفي طريق عمر الجنيد إلى سنغافورة، مر على الهند، وعلى جاوة بإندونيسيا متفقداً أو دارساً أحوالها، ثم على فاليمباغ، ومنها وصل إلى سنغافورة سنة 1240 هـ / 1825 م.
ومكث فيها حتى سنة 1250 هـ / 1834 م حين طلب منه أخوه الأكبر أحمد أن يعود إلى حضرموت بعد وفاة أخيهما عبد الله الذي مات غريقاً في رحلة بحرية إلى الحج في ذلك العام، ليكون معه خلفاً عن شقيقهما عبد الله .
عاد عمر الجنيد إلى حضرموت مع أولاده وابن عمه علي بن محمد الجنيد سنة 1251 هـ / 1835 م، لكن كثرة الفتن والاعتداءات القبلية ونشاطهم في إيذاء الشخصيات المشهورة بالعلم والثراء وجعلت الإقامة صعبة حتى أنه في أواخر سنة 1253 هـ / 1837 م تم القبض على أحمد وعمر وابن عمهما علي من قبل عبد الله بن عوض غرامة اليافعي، ولم يطلق سراحهم إلا بعد أن دفعوا له مبلغًا كبيرًا من المال .
عاد بعدها عمر الجنيد فورًا إلى سنغافورة مع كل أولاده سنة 1254 هـ / 1838، وقد طلب من أخيه أحمد الجنيد أن يرافقه إلى سنغافورة، ولكنه أصر على البقاء بتريم .
استقر عمر الجنيد في سنغافورة، واشتهر صيته فيها، فأصبح علمًا من الأعلام، ومصلحًا اجتماعيًا ودينيًا كبيرًا، واحتل مكان الصدارة والزعامة الروحية هناك .
تأثيره الديني
لم تكن تجارة السيد عمر الجنيد تشغله عن آخرته، فقد عاش ثابتًا على خلقه ودينه، محافظًا على الجماعات والصلوات والأوراد، ملتزمًا بالزي العلوي الحضرمي. وعلى يديه اعتنق الإسلام الآلاف من الناس في سنغافورة، فتعلموا منه تعاليم الدين وروحه وآدابه. وانتقلت معه إلى المنطقة العادات الحضرمية في الذكر والحزوب، والأوراد الصباحية والمسائية، وعادات شهر رمضان والمواسم الدينية، وانتشرت تلك المظاهر ليس فقط في سنغافورة، بل في ماليزيا وإندونيسيا أيضًا، وما زالت مستمرة إلى اليوم .
وكان السيد عمر يقضي معظم وقته في الدراسة، وتعليم الناس، والإصلاح بينهم، والمحافظة على الجماعات والذكر. وقد شهد السيد عمر بن حسن الحداد عند زيارته لسنغافورة أن حال البلاد هناك كانت كحال تريم نفسها، مما يدل على قوة ثبات السيد عمر الجنيد ورفاقه على طريقتهم العلوية، وعدم تأثرهم باختلاف البيئة الجديدة التي عاشوا فيها .
مآثره
من آثاره الخالدة في سنغافورة، أنه بنى مسجدا في كامبونغ ملكا، في الشارع الذي أطلق عليه اسمه، وقد أطلق اسمه على المسجد أيضا، ويقال له مسجد عمر كامبونغ ملكا. كما بنى مسجدا آخر في بنقالي، المعروف الآن بمسجد بنكولين .
ويروى أنه بنى بسنغافورة سبعة مساجد، ولم ينسبها إلى نفسه. ووقف أرضًا واسعة لدفن أموات المسلمين .
ويعد مسجد عمر كامبونغ ميلاكا أول مسجد يتم بناؤه في سنغافورة عام 1820،بعد سنة واحدة من تحويل سنغافورة إلى موقع تجاري من قبل البريطانيين، كان مبنيًا في بدايته من الأخشاب المؤقتة، وجدد عمارة هذا المسجد من بعده ابنه عبد الله بن عمر الجنيد. ثم تم هدمه واستبداله بمسجد مبني من الطوب 1855، ولتقديم خدمة أفضل للاحتياجات المتزايدة للمسجد .
وفي الفترة (1981 – 1982) وبعد ما يقرب من مائة سنة من استخدام المسجد، خضع المسجد لإعادة إعمار كاملة، في ذاك الوقت كان مسجد عمر كامبونغ ميلاكا على عكس المساجد الأخرى في سنغافورة لا يحتوي على مئذنة، إلا أنه في عام 1985 بنيت فيه مئذنة طويله مع قبة صغيرة أضيفتا إلى مدخل المسجد، اليوم المسجد له القدرة على استيعاب 1،000 مصلي في وقت واحد . وتعود ملكية المسجد إلى مجلس أوغما الإسلامي في سنغافورة .



تقدير الحكومة له
نال عمر الجنيد تقديراً كبيراً من الحكومة المحلية في سنغافورة، فقد مُنح امتيازات خاصة مثل وصول البريد إليه مبكرًا، وحماية رسمية لمنزله. كما كرّمته الدولة بإطلاق اسمه على شارع عام يحمل اسم (Omar Road) وذكرت سيرته في كتب التاريخ المدرسية .
تجارته
عمل عمر الجنيد في التجارة في سنغافورة، ففتح الله عليه بالرزق حتى أصبح من كبار التجار، وامتلك عقارات وأراضي واسعة تبرع بجزء كبير منها للحكومة لتقام عليها منشآت ومصالح عامة .
وكان كريمًا في دعمه لأهله وأقاربه وأهل حضرموت، فيمد العلماء والوجهاء بالنفقات ويُعين المحتاجين، ومن أثره التجاري أنه أدخل القماش المعروف بـ”البفت” إلى حضرموت، وكان له نوع خاص وممتاز أشرف على نسجه وإنتاجه، في زمن لم يكن الحضارمة يستوردون الأقمشة الرجالية من الخارج. كما ساهم في المشاريع الخيرية والاجتماعية التي تعود بالنفع الديني والوطني على الحضارمة في الداخل والخارج .
خاتمة
إن سيرة السيد عمر بن علي الجنيد تعكس نموذجًا حضاريًا فريدًا من نماذج الهجرة الحضرمية التي صنعت حضورًا إسلاميًا وروحيًا وثقافيًا في جنوب شرق آسيا. وفي قراءة سيرته ندرك كيف أمكن لفرد واحد يحمل علمًا وخلقًا أن يؤثر في مجتمع كامل، وأن يترك أثرًا مستمرًا في التاريخ الديني والعمراني لسنغافورة، وأن يظل شاهدًا حيًا على امتداد حضرموت وراء البحار .
المرجع :









