إن من عباد الله الصالحين رجالاً لا يموتون بموت أجسادهم، بل تتجدد ذكريات حياتهم كل زمن ووقت وفي كثير من المناسبات وتحيا في نفوس الأجيال شريف أخبارهم، وجليل أحوالهم، وهناك تحت سفح الجبل الأشم في جنوب غرب مدينة عدن يرقب الزائر مسجد الإمام أبي بكر العدني ابن عبدالله العيدروس . وهو مسجد عريق التأسيس بني في حياة الإمام العدني إبان حلوله بعدن خلال القرن التاسع الهجري . كان هذا المسجد منذ تأسيسه مجمع المريدين، ومقصد الفقراء وطلاب العلم .
تسلسل نسب الإمام العيدروس
هو السيد الشريف أبوبكر « العدني » ابن عبدالله العيدروس بن أبي بكر السكران، ابن الشيخ عبدالرحمن السقاف، ابن الشيخ محمد مولى الدويلة، ابن الشيخ علي العفيف، ابن الشيخ علوي الغيور ، ابن الشيخ محمد الفقيه المقدم إلى آخر النسب الشريف إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم . واشتهر في عدن بالعيدروس نسبةً إلى أبيه، ولقب بالعدني لسكناه في عدن ووفاته بها .
ميلاده ونشأته
ولد الإمام العدني في أوائل القرن التاسع الهجري عام 851هـ وقيل : عام 852هـ، الموافق عام 1432م تقريبًا – بمدينة تريم الغناء، إحدى مدن حضرموت وأهم مراكزها الدينية على ممر التاريخ، وأما والدته فهي الشريفة عائشة بنت الشيخ عمر المحضار .
نشأ الإمام العدني محاطًا بالعناية الخاصة من والده، والرعاية الدائمة من عمه الإمام علي بن أبي بكر السكران ابن الشيخ عبدالرحمن السقاف، وكذلك اهتمامات وملاحظات ونظر الشيخ الولي سعد بن علي مذحج .
وقد كان لهؤلاء الثلاثة الأفذاذ فضل صياغة قلبه، وقالبه، وعلى أيديهم وبتوجيههم اعتنى بحفظ القرآن العظيم، فحفظه ووعاه، وزاد على ذلك أن فتح الله عليه من فهم معانيه ما سطع به النور على محيَّاه. وقد أثر أن والده كان يأمر معلمه أن يتلطف به، وأن لا ينهره، ولا يعاقبه .
وفي هذا العمر المبكر وجهه والده إلى قراءة مبادئ العلوم من لغة، وحديث وتفسير وفقه وغيرها من العلوم المتداولة آنذاك, وكان يشجعه على المطالعة والمراجعة والبحث، حتى صار ميَّالاً بطبعه للمطالعة في المؤلفات التي تزخر بها مكتبة والده، ومع هذا الميل الطبعي فقد حرص والده على أن يلاحظ توجهه من خلال مطالعاته . ٢
إقامته وترحاله
عاش الإمام أبو بكر بن عبد الله العيدروس في حضرموت منذ ولادته، متدرجًا في السلوك وطلب العلم، متابعًا لمظاهر والده الإمام العيدروس بعد وفاته، حتى بلغت مدة إقامته نحو ثمانية وثلاثين عامًا. وبعد وفاة والده اعتاد السفر إلى الشحر كما كان يفعل أبوه لزيارة الشيخ سعد بن علي الظفاري، ثم يزور شبام ودوعن وقيدون حيث ضريح الشيخ سعيد بن عيسى العمودي، وكان يتردد إلى شعب نبي الله هود، ويمر بالبوادي والقرى داعيًا إلى الله .
سافر إلى الحرمين الشريفين مرتين : الأولى عام 880هـ وعاد بعدها إلى حضرموت، والثانية عام 888هـ، ومنها إلى زيلع عاصمة الصومال آنذاك، للقاء حاكمها محمد بن عتيق الذي تعرّف عليه منذ حجته الأولى، ثم انتقل بحرًا إلى الحديدة، ومنها إلى تعز أوائل 889هـ .
توطنه في عدن المحروسة
تزامن وصوله إلى تعز مع تعزية الناس في وفاة الشريف سراج الدين عمر بن عبد الرحمن صاحب الحمراء المتوفى بتعز في شهر رمضان 888هـ، فأقبلوا عليه للتعزية، وأرسل إليه علماء عدن القدوم لتعزيته، فأرسل إليهم أنه سيأتي إلى عدن، وعند وصله إلى الحوطة – عاصمة لحج – أرسل من يخبر أهل عدن بقدومه؛ فخرج علماء عدن ووجهاؤها وعامة أهلها لاستقباله، في موكب مهيب يوم 13 ربيع الثاني من عام 889 هـ، واستقبل التعازي من الناس، تعلق الناس به وطلبوا إقامته بينهم، فكان الأمر كذلك، ومنذ ذلك الحين أقام الإمام العدني بمدينة عدن، وأشرف على بناء مسجده مسجد العيدروس. وكان بادئ أمره يسكن بمنطقة صيرة قرب البحر حتى تم تشييد مسجده سنة 890هـ، فانتقل إلى جواره، وفتح دروس العلم، وحلقات التذكير، وصار مسجده ومنزله ملتقى للطلاب والضيوف والزوار من كافة النواحي والأقطار، حتى وفاته رضي الله عنه .
أحوال الإمام أبي بكر العدني ومكانته العلميه وبعض صفاته
كان من ثمرة التربية الحسنة التي حظي بها من والديه الكريمين أنه يخرج مع ابن عمه عبد الرحمن ابن الشيخ علي إلى أحد شعاب ( تريم ) في ظلمة الليل البهيم، فيصُفَانِ أقدامهما لعبادة الرب العظيم، ويقرأن القرآن الكريم، يقرأ كل واحد منهما في صلاته عشرة أجزاء، ثم يرجعان إلى ( تريم ) قبل طلوع الفجر ، لم يطلع عليهما إلا من يعلم السر والجهر ، وقد أفاض عليهما من الأسرار واليقين، ما أخبر عنه في كتابه المبين، في قوله تعالى وهو أصدق القائلين : ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) .
عاش – رضي الله عنه – منذ صباه موطِّنًا نفسه على العادات الحسنة، والصفات المستحسنة، فلا غرو إذا تفرد عن الأشباه، والأمثال في بعض أحواله، فقد كان وقته مقسمًا منذ نعومة أظفاره بين طاعة الله، وخدمة العلم وطلبه، ونشر الدعوة إلى الله، ومجالسة أهل الخير، وذكر الله تعالى في السر، والجهر، وقراءة القرآن، وتلاوة الأوراد، وخدمة والديه؛ شغوفًا بمطالعة الكتب النافعة، صارفًا جل أوقاته في النفع الخاص والعام، رؤوفًا بالعوام وخاصة ممن يترددون على مجالسه، ويعاملهم باللطف واللين ويوجههم إلى الخير بالحسنى .
ولهذا كان بعد استقراره في مدينة عدن يجمع أتباعه ومحبيه في مجالسه كل ليلة، وخاصة من يعرف أن انصرافه وذهابه يعود عليه بالمعاصي والمخالفات، فكان يحفظهم بالمجالسة وسماع الذكر والقراءة حتى صلاة الفجر ، فيصلي بهم في مسجده، ويعطي كل واحد منهم أجرة عمل يومه يتألفه بها، ويسمح له بالذهاب إلى منزله لينام حتى يتروَّض حاله على الطاعة، ويعزف عن حب المعصية، فيتركه بعد ذلك يُسوِّس نفسه في كسبه وطاعته لله، بعد أن يكونوا قد ألفوا العبادة وأنِسُوا بها، فلا يبغون بها بديلاً .
وكان رحمه الله على غاية من الرأفة والرحمة بالمسلمين المنكسرة قلوبهم، يؤنِّسهم، ولا يرهبهم، ويفتح لهم باب الرجاء والطمع في عفو الله، لعلمه بسعة رحمة مولاه، وكان جامعًا للأخلاق المحمودة من الحياء والمروءة والزهد في الدنيا، شديد التمسك والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحث مريديه على ذلك .
وكان جلالي الجوهر، جمالي المظهر، حسن الاختيار لكل طيب في الملبس والمأكل والمركب، وكان كثير الإنفاق حتى ركبته الديون الكثيرة، ولامه بعض خاصته على كثرة إنفاقه فكان يقول لهم : لا تدخلوا بيني وبين ربي، فما أنفقت ذلك إلا لرضاه ..
قال في” مواهب القدوس ” حول ما أثير عن كثرة الإنفاق من يده رحمه الله : ( جرى ذكر الإمام العدني بحضرة السلطان العادل عبدالله الكثيري، وكأن بعض الحاضرين عرّض بالطعن في الإمام العدني، فزجره السلطان وقال : أشهد أنه سيد أهل عصره ؛ لأن سادة الناس في الدنيا الأسخياء، ولا أعلم على وجه الأرض أكرم منه ).
ونختم عن صفاته بما وصفه به في مقدمة الديوان : ( وشيخنا رضي الله عنه أعلم أهل زمانه بالسنة وأقومهم عليها، وأمرهم باتباع الملة وأحبهم فيها، ولقد رأيت علماء الحديث، والأصول، والفروع وغيرهم يأتون إليه فيملي على كلِّ في فنه حتى يفحمهم . يذكّر في الرجاء حتى يتحقق أنه أرجى خلق الله، وإذا وعظ يتحقق أنه أخوف خلق الله ، يحب من الأمور ما تيسر، ويكره ما تعسر ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وشيخنا رضي الله عنه يحب التفاؤل بالخير، ويكره التطير بالشر ) .
شيوخه ومعلموه
ومن الشيوخ الذين ارتبط بهم وأخذ عنهم ويأتي في مقدمتهم والده الكريم الإمام عبدالله العيدروس، وعمه الشيخ علي بن أبي بكر ، والشيخ سعد بن علي مُذحَج، وحفظ القرآن الكريم على السيد الجليل محمد بن علي باجحدب، والشيخ الصالح سالم بن غبري، وكانت قراءته للعلم الشريف على يد الفقيه العلامة الصالح عبد الله بن عبد الرحمن بافضل، والفقيه محمد بن أحمد بافضل، وأخذ أيضًا عن الإمام يحيى بن أبي بكر العامري صاحب ( بهجة المحافل ) ولبس منه الخرقة، وكتب له إجازة، كما أن من مشايخه الشيخ عبد الله بن أحمد بامخرمة، والشيخ أحمد بن عمر المزَجَّد، والشيخ الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي وغيرهم، وقد ذكر جملة من مشايخه في كتابه ( الجزء اللطيف في التحكيم الشريف ) .
تلاميذه
اتسعت دائرة الأخذ والتلقي عن الإمام العدني بحضرموت وسائر مناطق اليمن والحجاز وزيلع وغيرها من البلاد التي زارها، وكثر مريدوه إلا أن تقييد الآخذين جمعًا لم يتهيأ لمعاصريه كما هو حال الذين صحبوه وخدموه وتعلقوا به، وقد جمعت كتب التراجم التي بين أيدينا جماعة من تلامذته وأصحابه، فاقتطفنا منهم بعض النماذج، ومن هؤلاء :
إخوته : شيخ، وحسين، وابنه أحمد المساوى، وابن أخيه الشيخ عبد الله بن شيخ، والعلامة عبد الله بن محمد باقشير ، والشيخ عبدالرحمن بن علي بن أبي بكر السكران، والشيخ الصوفي عمر بامخرمة، والشيخ محمد عمر بحرق، والفقيه المحدث الحسين بن الصديق الأهدل، وغيرهم .
مؤلفاته :
من مؤلفاته : « الجزء اللطيف في التحكيم الشريف » . ذكر فيه مشايخه الذين أخذ عنهم .
وله رحمه الله تصانيف في الحقائق، وأجوبة عن أسئلة تدل على سعة علمه ومعرفته، وله في الأذكار والأدعية النبوية ثلاثة مجاميع : « وسيط » و « بسيط » و « وجيز ».
وإلى جانب مكانته العلمية والتربوية والروحية، خلّف إرثًا شعريًا زاخرًا تجسّد في ديوانه « محجة السالك وحجة الناسك »، الذي يزخر بتنوع الأغراض الشعرية العالية، عبّر فيه عن علوم ربانية، ومعارف وأشواق وأذواق وجدانية روحانية، إضافة إلى ما وعد فيه من حكم وإرشادات للسالكين، مثال :
نصبت لأهل المناجاة………….
واستعذبوا السهد وامسوا
واستقبلهم لطائف…………….
من لذة لا تكيف…………………..
قد ذاقها من عناها…………….
في حندس الليل أعلام
قياما اذ نـــــام مـــــن نـــــام
بهجات فضل وإكرام
ولا تصور في الاوهام
وهام فيها الذي هام
ويقول أيضًا :
كل من ليس يمنع نفسه
من تدنى دنت به همته…..
عن حضيض الهوى ذاق الهوان
لو يكن عاليًا بالزبرقان
وقال الإمام العدني في شوقه لأهله وأسلافه الصالحين :
عرض بذكري إن مررت بلعلع
واشفع وقل بتذلل وتخشع..
وأقري السلام أهيل تلك الأربع
ياسكني وادي النقا والأجرع
فيكم ضنى جسمي وسالت أدمعي
كما توجد في « ديوانه » إشارات وإيماءات إلى بعض الصالحين كما في قصيدته …
هات يا حادي فقد آن السلوّ..
خلّ عنك الهمّ واترك قول لو
إن أحبابي بوصلي قد دنوا…..
وتجلى عن سما قلبي الصدا
لا تطع فيمن تشا قول العدا
وقمير البان عندي قد شدا
قالوا : يشير فيها إلى الحبيب علي بن حسن العطاس حيث أنشأ هذه القصيدة في موقع المشهد .
وفاته
أفنى الإمام أبو بكر بن عبدالله العيدروس حياته كلها في خدمة مولاه، وإقامة مظاهر العلم والدعوة إلى الله، وجذب الناس إلى الخير، والعمل به، ولم يزل كذلك حتى أخذ به المرض، فصبر على ما كتب الله عليه أيامًا، ثم ناداه منادي مولاه ليلة الثلاثاء الرابع عشر من شهر شوال، وعمره إذ ذاك ثلاثة وستون سنة عام 914هـ .
المراجع :
سلسلة أعلام حضرموت ، جلاء الهم والحزَن بذكر ترجمة صاحب عدن الإمام أبي بكر العدني ابن عبدالله العيدروس ، تأليف الحبيب ابي بكر العدني ابن علي المشهور .
ترجمة الإمام أبي بكر العدني كتبها علوي حسن الحداد، من ديوان العدني المسمى محجة السالك وحجة الناسك .









