الكشف الأثري في اليمن: رحلة في أعماق التاريخ لم تُكتشف بعد!(2)

تاريخ اليمن والكتابات العربية القديمة (٢)


بقلم : الاستاذة حنان حسين

في الجزء الثاني من اللقاء مع الدكتورة عميدة الشعلان، أستاذة الآثار والكتابات العربية القديمة بجامعة صنعاء والمتخصصة في التاريخ اليمني، نواصل رحلتنا لاستكشاف كنوز اليمن الأثرية والتحديات التي تواجه كشفها، خلال حوارها مع د. باسم الجمل .

تقدم الدكتورة الشعلان، بأسلوبها الشيق، رؤى جديدة حول جوانب غير مكتشفة من تاريخ اليمن العريق. بعد استعراضها في الجزء الأول لأسرار الكتابات العربية القديمة، مثل خطي المسند والزبور، ودورهما في الحياة اليومية والدينية والسياسية، تتناول في هذا الجزء جوانب إضافية من الحضارة اليمنية.

تسلط الدكتورة الشعلان الضوء على جهود البعثات الأجنبية في التنقيب، موضحة الاختلافات بين ما تم إنجازه في اليمن وما حدث في حضارات أخرى، مثل مصر والعراق، كما تكشف عن أهداف هذه البعثات. بالإضافة إلى ذلك، تستعرض مكانة المرأة في المجتمع اليمني القديم، وتغوص في أسرار التحنيط التي تربط اليمن بالحضارة المصرية القديمة.

التنقيب الأثري في اليمن: بداية متأخرة وجهود مبعثرة

لم يحظَ اليمن بالقدر الكافي من التنقيبات الأثرية مقارنة بدول مثل مصر والعراق، فعلى الرغم ثرائه التاريخي. فإن أولى البعثات العلمية بدأت متأخرة :

  • البعثة الألمانية (1927-1928) : نقّبوا في مناطق محدودة وأخرجوا تماثيل برونزية، كما عمل الألمان في معبد “برآن” (عرش بلقيس) .
  • البعثة البريطانية (الأربعينيات) : ركزوا على حضرموت بقيادة كينيت تومسون .  
  • البعثة الأمريكية (الخمسينيات) : بقيادة ويندل فيليبس، اكتشفوا معبد محرم بلقيس (أوّام) في مأرب،”تمنة” و”هجر بن حميد”.
  • بعثات أخرى : الإيطاليون في البراقش، الفرنسيون في الجوف وشبوة، والروس في حضرموت .  

وهذه الجهود كانت غالبًا ما تتركز على مناطق معينة كالمعابد والمقابر، ولم تُنقب المدن الأثرية اليمنية “كمساحة كاملة” .

أسباب عدم التنقيب في كل المدن اليمنية 

تكشف د. عميدة الشعلان أن عمليات التنقيب في اليمن تُعاني من تحديات كبيرة، تسببت في عدم التنقيب في كل المدن اليمنية فظل التنقيب جزئيًا ومن أبرزها :

  • الاستمرارية العمرانية في معظم المدن اليمنية القديمة، حيث بُنيت مدن حديثة فوق القديمة، مما جعل التنقيب محصورًا في المناطق الظاهرة على السطح. تحديات التنقيب وأهداف البعثات الأجنبية .
  • العوامل القبلية : حيث قد تُعترض البعثات بمشكلات النزاعات على ملكية الأراضي، خاصةً في المناطق الحية .
  • الوضع السياسي : توزيع مناطق التنقيب بين الدول كان يُدار أحيانًا بمنطق النفوذ (مثل تنافس الأمريكيين والألمان في مأرب).  

وللأسف أن المواقع الأثرية في اليمن لم تحصل على حقها الكامل في التنقيب، وما تم الكشف عنه لا يتجاوز 40% إلى 60% من كنوزها .

ماهي أهداف البعثات الأجنبية في اليمن 

  • الرحلات الاستكشافية المبكرة : كانت تهدف إلى التحقق مما ورد في الكتب المقدسة، لا سيما حكايات الملكة بلقيس والنبي سليمان .
  • ثم اختلفت أهداف البعثات لاحقًا : حيث أصبحت كل دولة تُركز على منطقة معينة، وكأن هناك توزيعًا يحمل جانبًا سياسيًا، خاصةً في مأرب. وأيضًا اتجهت البعثات لدراسة التاريخ المشترك مع الحبشة (إثيوبيا) ونجران، بعد تعذر العمل في اليمن بسبب الوضع السياسي .  
  • الجالية اليهودية اليمنية : تُثار أسئلة حول علاقتها بالأسفار التوراتية ، لكنّ  لا يوجد دليل أثري أو نقوش تثبت أن اليمن هي الجغرافيا التوراتية! .

أمدتنا البعثات الأجنبية كلها بمادة علمية غزيرة لا ننكر هذا، وأسسوا مدارس علمية كالمدرسة الفرنسية التي كانت تمتلك خلفية معرفية غنية بما تم جمعه من نقوش، مما وجه جهودها في التنقيب. وقد أثمرت هذه الجهود عن مادة علمية غزيرة أثرت فهمنا لتاريخ اليمن القديم، وكشفت عن وجود عصور ما قبل التاريخ والعصور البرونزية والتاريخية في اليمن .

المرأة في اليمن القديم: مكانة مرموقة وتحديات في الكشف الأثري

تلفت د. الشعلان النظر إلى أن للمرأة مكانة المرموقة في حضارة اليمن القديم، وهناك آيات قرآنية تتحدث عن المرأة التي “تملكهم” في سبأ، و توجد ألفاظ عديدة في النقوش تُشير إلى أدوارها كـ”مقتويات” قائدات عسكريات، مدبرات أمور القصر الملكي وراعية ومفسرة أحلام … . 

وعلى الرغم من ذكر المؤرخ الهمداني لثلاث ملكات يمنيات (شمس وبلقيس ولميس)، إلا أنه تم التأكيد بكل وضوح، على عدم العثور حتى الآن على أي نقش يُثبت وجود ملكة اسمها بلقيس أو ملكة حكمت اليمن، وسبب ذلك أن التنقيبات الأثرية لم تكشف سوى جزء بسيط من مدينة مأرب القديمة .

التحنيط في اليمن: مقارنة مع مصر واستمرارية العقيدة

إن التحنيط الذي يُعرف في مصر منذ آلاف السنين، كان موجودًا أيضًا في اليمن القديم، ولكن المواد المستخدمة في التحنيط اختلفت بين الحضارتين، حيث استخدم اليمنيون مادة “الراء” المحلية لامتصاص الرطوبة، بينما استخدم المصريون نشارة الخشب. وقد أحدث اكتشاف المومياوات اليمنية في الثمانينيات ضجة كبيرة، مُثبتًا أن التحنيط كان معروفًا بقوة في اليمن القديم، وإن كان متأخرًا زمنيًا عن مثيله المصري (منتصف الألف الأول قبل الميلاد).

وعقيدة البعث والخلود كانت موجودة عند كل الشعوب القديمة، بما في ذلك اليمنيين، مما دفعهم إلى ممارسة التحنيط. كما أن التبادل التجاري بين اليمن ومصر، خاصة في مواد الطيب والبخور والكتان، ربما لعب دورًا في انتقال بعض الممارسات أو المعارف بين الحضارتين .

العلاقات السياسية والاقتصادية

إلى جانب الجوانب الثقافية والدينية، تكشف النقوش أيضًا عن إدارة الممالك اليمنية لعلاقاتها الخارجية بشكل منظم، ومراقبتها لتحركات القوى الكبرى كالآشوريين والفرس، سعيًا للحفاظ على استقلالها رغم انفتاحها الحضاري. هذا يدل على وعي سياسي واقتصادي متطور كانت تتمتع به الحضارة اليمنية القديمة .

تُسهم هذه الاكتشافات والأبحاث اللغوية في بناء جسر معرفي بين الماضي والحاضر، وتمنحنا فرصة نادرة لفهم أعمق لحضارة اليمن الغنية وتفاعلاتها مع العالم القديم .

تختم د. الشعلان حديثها مؤكدة إن اليمن ما زال “بكراً” في مجال الكشف الأثري، وأن الأيام القادمة قد تكشف لنا عن كنوز ونقوش جديدة تُثري فهمنا لتاريخ هذه الحضارة العريقة.


المرجع :

فيديو لقاء د. عميدة الشعلان