الحبيب أبوبكر بن طه السقاف : مدير مدرسة الجنيد الإسلامية بسنغافورة

أحد أبرز رواد التعليم الإسلامي الحديث في سنغافورة في النصف الأول من القرن العشرين


في زمنٍ كانت فيه بلدة سنغافورة وجزر الملايو تبحثان عن مشاعل الهداية ومراكز العلم، أشرق فيها نور من حضرموت، نور حمله رجلٌ وهب عمره للعلم والتربية والدعوة، فكان مثالًا للصفاء العلمي والإخلاص التربوي، إنه الحبيب العلامة أبوبكر بن طه السقاف – أحد أبرز رواد التعليم الإسلامي الحديث في سنغافورة في النصف الأول من القرن العشرين، خرج من حضرموت أرض العلماء والدعاة، يحمل علم السلف وروح التجديد ،ليبني بعلمه ومدرسته أجيالًا من العلماء والمربين الذين أضاءوا أرجاء المنطقة . حيث أسس نهضةً تعليميةً متميزةً ، وأسهم إسهامًا عظيمًا في تأسيس المدارس الإسلامية ونشر اللغة العربية وترسيخ القيم الأخلاقية والعلمية بين أجيال متعددة من طلاب جنوب شرق آسيا .

الحبيب أبو بكر بن طه السقاف وُلد عام 1882 في حضرموت، اليمن، وتوفي في 22 يناير 1956، كان معلمًا إسلاميًا بارزًا ومؤثرًا في سنغافورة .

التعليم والهجرة إلى سنغافورة

تلقى أبو بكر بن طه تعليمه الأولي في مسقط رأسه سيئون. ثم هاجر إلى مكة المكرمة لمواصلة دراسته على يد أبرز علماء ذلك العصر. وبعد إتمام دراسته، سافر إلى سنغافورة لنشر الدعوة الإسلامية، وعند وصوله تزوج من الشريفة عائشة السقاف، المنتمية إلى عائلة عربية عريقة في سنغافورة، والتي كانت عضوًا في لجنة بناء مدرسة السقاف، وهي أول مدرسة إسلامية في سنغافورة .

العودة والمشاريع التعليمية

في عام 1920، عاد إلى وطنه حضرموت، التي تُعرف بكونها أرض العلم والعلماء والآداب، وقد تتلمذ على يد شيوخ بارزين، منهم : الحبيب الإمام علي بن محمد الحبشي، والحبيب الإمام أحمد بن حسن العطاس، والحبيب الإمام عيدروس بن عمر الحبشي . كانت عودته بهدف تحقيق حلمه بإنشاء مدرسة حديثة، وبالفعل أصبح أول مدير لمدرسة النهضة العلمية .

تأسيس وإدارة مدرسة الجنيد

في عام 1927، عاد إلى سنغافورة، ومكث فيها ما يقرب من ثلاثين عامًا. تزامن وصوله مع افتتاح مدرسة الجنيد الإسلامية في شارع فيكتوريا، رأى الحبيب عبد الرحمن الجنيد، باني المدرسة، أن السيد أبا بكر هو الأجدر والأحق بشغل منصب مديرها .

وافق السقاف على المنصب مشترطًا شرطين رئيسيين

  • أن تكون اللغة العربية هي وسيلة التدريس المعتمدة .
  • أن يكون نظامها التعليمي حديثًا ومواكبًا .

لاقت شروطه استحسانًا كبيرًا، وأدار المدرسة بانضباط صارم. وبصفته مديرًا لها من عام 1927 إلى عام 1955، بنى سمعة المدرسة لتصبح مؤسسة تعليمية إسلامية رائدة في جنوب شرق آسيا. قام بزرع الإخلاص والقيم في هذه المدرسة المباركة، وتعلّم على يديه العديد من الطلاب من مختلف مناطق الجزر الملاوية. وتوافد على المدرسة طلاب من جميع أنحاء المنطقة لمتابعة دراستهم. وحتى ييسر عليهم، سمح باستخدام جزء من منزله في طريق جافا كسكن مجاني لهم، إضافة إلى تلقيهم التعليم المجاني في المدرسة .

الأثر والتلاميذ

ونتيجة لجهوده، بلغ عدد تلاميذه المئات، وأصبح العديد منهم علماء بارزين ومرجعيات في بلدانهم .

أبرز الخريجين والتأثير الإقليمي

  • يحيى رجائي (الفلبين): الذي أسس ما لا يقل عن 106 مدارس دينية في جميع أنحاء جزيرتي سولو وبالاوان .
  • ومن تلاميذه المشهورين أيضًا : الحبيب عبد الرحمن بن أحمد الكاف، الأستاذ أحمد سونهادجي محمد، الحاج داود بن علي، نظير (فير) بن سيني راوتر، الأستاذ حاجي أبوبكر بن هاشم، الحبيب عبد الله بن أحمد الجفري، والحاج محمد نور بن طيب (جميعهم من سنغافورة) .
  • إقليميًا : المعلم حاجي أبوبكر بن علي والحبيب نوح بن عبد الله الحبشي (ريو)، المعلم حاجي محمد تشيك (بالمبانغ)، المعلم حاجي عبد القادر بن حسن والمعلم حاجي مرتضى بن حاجي داود (سراواك)، المعلم بيهن حاجي محمد زين سرودين والمعلم بيهن حجي عبد الحميد بن بكال (بروني)، أوست حاجي حسن أزهري والحاج أرشد مسجوري (ماليزيا)، والمئات غيرهم .

لقد أصبح هؤلاء التلاميذ جميعًا مشاعل هدى تُنير ولاياتهم، فتبوؤا مناصب كالمفتين والقضاة والمحاضرين ورجال الدين في بلدانهم، وظلوا يساهمون في العلم والإحسان والتعليم والكفاح حتى يومنا هذا .

إسهاماته الفكرية والإدارية

مؤلفاته

خلال فترة إدارته لمدرسة الجنيد، ألّف الحبيب أبوبكر العديد من الكتب الشهيرة، منها :

  • كتاب “توحيد الخالق ورسالة الأنبياء” الذي طُبع عشر مرات .
  • كتاب “الدروس التدريبية” الذي طُبع خمس عشرة مرة .

   وظل كتاب “توحيد الخالق” مستخدمًا في المدارس حتى أوائل تسعينيات القرن العشرين، أي بعد وفاته بأكثر من ثلاثين عامًا، مما يدل على عمق أثره .

الأدوار القيادية واللجان

شغل السيد أبو بكر بن طه السقاف عضويات في عدة لجان، مثل مجلس بيناسيهات الإسلام (سابقًا لمجلس أوغاما إسلام سنغافورة) وصندوق المسلمين الاستئماني. كما كان له دور فعال في تأسيس الجمعية الإسلامية في سنغافورة عام 1932، وكلية الإسلام في كيلانج بماليزيا عام 1949. وإضافة إلى ذلك، تولى إدارة المدرسة الخيرية في سنغافورة لمدة 25 عامًا.

ونتيجة لإسهاماته الدؤوبة في التعليم الإسلامي، لُقّب من قبل العديد من الصحف في ذلك الوقت بألقاب تشريفية مثل :

  •  “Pendidik Ulung” (المعلم العظيم) .
  •  “Tokoh Pendidik” (التربوي البارز) .
  •   “Pendidik Suatu Generasi” (معلم الجيل) .

الوفاة والإرث

في عام 1955، عاد إلى حضرموت بعد أن خدم سنغافورة لأكثر من ثمانية وعشرين عامًا. وبعد عام، وتحديدًا يوم الأحد الموافق 22 يناير 1956 (8 جمادى الآخرة 1375هـ)، توفي في مدينته سيئون ودُفن هناك

ترك الحبيب ابوبكر خلفه أحد عشر من الأبناء، من بينهم السيد علي رضا، الذي كان مؤسس ورئيس جمعية (LBKM)، أو (مجلس صندوق منحة ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) من عام 1965 إلى 1995.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته. آمين.


المراجع

1. أسرة السادة آل الكاف.

2. ويكيبيديا. “أبو بكر بن طه”.