الحبيب إبراهيم بن عمر بن عقيل بن يحيى رحمه الله

ولد الحبيب إبراهيم بن عمر في (27 صفر 1327هـ) في مسيلة آل شيخ


اسمه ونسبه

هو العلامة المفتي المسند الأديب الحبيب إبراهيم بن عمر بن عقيل بن عبدالله بن عمر بن أبي بكر بن عمر بن طه بن محمد بن شيخ بن أحمد بن يحيى بن حسن بن علي مولى الدرك بن علوي بن محمد مولى الدويلة بن علوي الغيور بن محمد الفقيه المقدم بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر إلى الله بن عيسى الأزرق الرومي بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن ابي طالب وهو زوج البتول الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولادته ونشأته

ولد الحبيب إبراهيم بن عمر في (27 صفر 1327هـ) في مسيلة آل شيخ إحدى القرى المجاورة لمدينة تريم وقد كانت المسيلة في تلك الحقبة مركز إشعاع علمي ومقصدًا لطلاب العلم ومريدي التزكية مذ أن حل فيها الساده آل طاهر وآل يحيى حتى قيل عنها جنة الدنيا المسيلة ،

وقد نشأ في كنف أسرته التي أحسنت تربيته وتعليمه على أحسن ما تكون التربية والتعليم في تلك الحقبة المباركة، وقد وصف الحبيب إبراهيم ذلك شعرًا في قوله :

وعناية من والدي كما اعتنى

الأجداد بالأولاد والأحفاد

فوالد العلامة إبراهيم بن عمر هو الحبيب العلامة عمر بن عقيل بن عبدالله بن عمر كان مشهورًا بالزهد وسعة العلم والصلاح قال عنه الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي : من أراد أن يرى عالمًا متعبدًا فلينظر إلى عمر بن عقيل، وأما جده عقيل فقد كان صاحب علم وصلاح وحمية سأل عنه الحبيب علي بن محمد الحبشي الحبيب أبوبكر العطاس فقال : عقيل مركب شاحن بكل غالي ونفيس له كثير من الأعمال الإصلاحية في وادي حضرموت وهو من كتب ترجمة والده الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى وكانت له مكتبة ضخمة فيها نوادر المخطوطات .

وأما أبو جده الحبيب عبدالله بن عمر بن يحيى فهو أشهر من نار على علم وغني عن التعريف لقّب بحجة الإسلام وكان أفقه علماء حضرموت في عصره سافر إلى جاوة وبلاد الشرق، ودخل على يديه أعداد كبيرة من النّاس في الإسلام، فوضِع له السم من قبل أعداء الإسلام فعاش بقية حياته لا يطعم شيئا غير اللبن قال عنه شيخه الحبيب الحسن بن صالح البحر : 

عبدالله بن عمر هو القدوة وبه الأسوة له ديوان شعر ضخم ومجموع فتاوى في مجلدين. وكان الحبيب إبراهيم يقول : آبائي كرام فليس منهم إلا ولي عالم بن ولي عالم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكني تخلفت عن ركبهم . 

ولم تقتصر العناية بالحبيب إبراهيم بن عمر من لدن والده – الذي أدرك من حياته سنوات قليلة – وحسب، وإنما تعدت تلك العناية به من لدن سائر أفراد أسرته. فأم أبيه هي الشريفة زهراء، وأم والدته هي الشريفة سيدة، كلتاهما من بنات الحبيب عبدالله بن حسين بن طاهر ـ ولهذا كان الحبيب إبراهيم رضي الله عنه يقول : ولدني الحبيب عبدالله بن حسين بن طاهر مرتين ـ وكانتا على جانب عظيم من الصلاح والعلم، بل إن الشريفة (سيدة) أم والدته كان المريدون والآخذون يتردَّدون إليها للأخذ عنها والاستجازة، وممن أجازها الشيخ عمر حمدان المحرسي والسيد أحمد صديق الغماري والحبيب عيدروس بن عمر الحبشي والحبيب أحمد بن حسن العطاس والحبيب علي بن محمد الحبشي وغيرهم كثير .

ومما ورد في وصف الحبيب إبراهيم لجدته (سيدة) ما صوره بقوله : ((… وكانت هذه السيدة التقية هي أول من أرسى قواعد العلم والمعرفة في صدري الغض الطري، بل كانت عنايتها بي على غاية من الاهتمام، وأيضا كانت أمه و هي الشريفة نور بنت محمد بن عبدالله بن عمر من صالحات زمانها وكانت تغرس في قلبه حب الأولياء وأهل السر من صغره، مات جميع أولادها ولم يبق لها منهم إلا الحبيب إبراهيم ومع هذا فقد كانت ـ كما أخبر ـ تخرجه من البيت إلى المسجد وهو دون السابعة من عمره في عتمة الليل ولا تأذن له بالدخول إلى البيت إلا بعد الإشراق )).

اشتهر الحبيب إبراهيم منذ نعومة أظفاره بالنباهة وقوة الحفظ، حتى أنه قال : ما قرأت كتابًا قط فاحتجت أن أراجعه مرة أخرى، حفظ القرآن الكريم وكثيرًا من المتون وبرع في كثير من العلوم والفنون وكان سريع البديهة .

انتصب للتدريس في مسجد جده لأمه الحبيب عبدالله بن حسين بن طاهر قبل البلوغ ثم أصبح إمامًا لهذا المسجد .

وممن أخذ عنه وقرأ عليه بعض المتون في هذه المرحلة الحبيب عبدالرحمن بن طاهر والشيخ محمد بن عبدالرحمن باشيخ والسيد عباس بن يحيى وغيرهم، قال الشعر منذ نعومة أظفاره ومنها تخميس قصيدة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقد قال : 

لو شئت أن لا أتكلم مع الناس إلا شعرًا

لفعلت ولأفهمت الصغير والكبير

أخلاقه

و أما أخلاقه رضي الله عنه فقد كان رحمه الله تعالى شديد التواضع زاهدًا في الدنيا مؤثرًا لدينه ولو كان على حساب ترك حقه حتى أنه قال : ما حلفت بالله تعالى قط لا صادقًا ولا كاذبًا وقد طلب مني مرة أن أحلف يمينًا على حق لي فتركت حقي وآثرت أن لا أحلف بالله . 

وكان رضي الله عنه بسيطًا في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ومعشره بعيدًا أشد البعد عن التكلف وكان واسع الصدر عفوًا حليمًا بطئ الغضب سريع الرضى يحتمل الأذى ولا يرد السيئة بمثلها بسامًا بشوشًا يؤنس من جالسه ويتحف السامع بطرائف العلم وعجيب الأخبار كثير الأذكار لا يفتر لسانه عن ذكر الله فلا يرى إلا ذاكرًا أو معلمًا أو متفكرًا باذلًا نفسه في خدمة الناس والسعي في مصالحهم يصنع المعروف مع من يعرف ومن لا يعرف يغض الطرف عما لا يعجبه ويكف لسانه عن عيوب الناس ولا يرى العيب إلا في نفسه وكان رضي الله عنه يقوم الليل ويحييه إلى طلوع الفجر وربما أيقظ من يبيت عنده قائلا لهم : قوموا الموكب الإلهي الآن يمر. وكان مضيافا يحب المساكين لا يغلق باب بيته أبدا لا ليلا ولا نهارا مائدته مبسوطة للضيوف ولطلاب العلم وللمساكين وللغرباء وكان رضي الله عنه واسع الاطلاع محبا للعلم لا تنقطع مجالس العلم في بيته يكاد يحفظ كل ما يُقرأ عليه وكان صاحب كشف صريح يستوي في مجلسه الفقير والغني لا يميز أحدًا على أحد إلا أن يكون صاحب علم وصلاح .

وقد تتلمذ الحبيب إبراهيم على عدد كبير من العلماء الأفذاذ، فقد أخذ عن أكثر من مائتي شيخ من مشايخه في حضرموت وزبيد وتهامة والحرمين وخصوصًا آل أبي علوي وآل الأهدل، لعل من أبرزهم عمه العلامة الحبيب محمد بن عقيل بن يحيى الذي وصفه الحبيب إبراهيم شعرًا بقوله :

فمشائخي صيدٌ كرامٌ مالهمْ………..
أخذي ولبسِي أولًا عن سيِّدي……….
المصلح السمْح الوصولِ السائح
الصدرُ محمودُ السجايا حافظٌ…….
علامةٌ فهَّامةٌ بحَّاثةٌ………………………

من مشبهٍ في حاضرِ أو بادي
عمِّي شقيق أبي رحيب النادي
البطل الجَسور ومُرغِمِ الحُسَّادِ
ومحقِّقٌ يسمُو على النُّقَّادِ
درَّاكةٌ حتفٌ على الأضدادِ

ومن أهم شيوخه السيد العارف بالله العلامة مفتي تهامة شيخ الإسلام بلا نزاع عبدالرحمن بن محمد عبدالرحمن الأهدل الملقب بمفتي الثقلين وقد كان هذا الحبيب شديد العناية بالحبيب إبراهيم والمحبة له، وبالرغم من أن هذا الحبيب كان مكفوف البصر إلا أنه كان يأتي كل يوم من خارج مدينة الحديدة على حماره إلى دكان الحبيب إبراهيم ليعلمه بل أنه عندما انتقل الحبيب إبراهيم الى تعز كان يتردد عليه في بيته ويمكث عنده الشهرين والثلاثه وينام على سريره وقد قال رضي الله عنه أن هذا السيد كان يغتسل لكل فرض حتى مع شدة البرد وكبر سنه وكان شديد الورع وقد كانت الحديدة كثيرة الزروع في ذلك الوقت فكان الناس يضعون الكمائم على أفواه دوابهم كي لا تأكل زروع الناس إلا هذا السيد فإن حماره بدون كمامة ومع هذا لوحظ أنه لا يأكل من زروع الناس لشدة ورع صاحبه فقد سرى ورعه إلى دابته .

مؤلفاته

وأما مؤلفاته رضي الله عنه فإنه لم يكن ملتفتًا إلى تأليف الكتب بل كان يقول : أنا مشغول بتأليف الرجال عن تأليف الكتب . ومع هذا فقد عثر على بعض تراثه عند بعض تلامذته ومحبيه أما ما كان في حوزته مما لم يصل إلى أيدي الناس مما كتبه فقد أحرقه جميعا وكل ما جمع من كتبه فإنما هو من تأليفه في ريعان شبابه أو مما جمعه بعض تلاميذه ومنها :

  • مجموع فوائد في مجلدين من جمع تلميذه السيد عادل عبد الوهاب عوهج.
  • ذخيرة الأذكياء في ذكر مولد سيد الأنبياء .
  • منظومة مشرع المدد القوي نظم السند العلوي .
  • الغيث الماطر فيما سنح به الخاطر من جمع تلميذه العلامة علي مانع الجنيد .
  • مجموعة من الخطب المنبرية في حوالي مجلدين .
  • ديوان شعر ضخم .
  • مجموع فتاوى شرعية في حوالي مجلد .

وهناك الكثير من المتفرقات عند محبيه وطلابه نأمل جمعها في القريب العاجل إن شاء الله . 

وفاته رضي الله عنه

توفي العلامة الحبيب إبراهيم بن عمر يوم الثلاثاء (14 من جمادى الأولى سنة 1415هـ) في مدينة تعز، وقد بلغ النبأ عن طريق وسائل الإعلام إلى كثير من الأصقاع، فاهتزَّت الدنيا لموته، واجتمعت في يوم الثلاثاء المشار إليه في مدينة تعز الحشود للصلاة عليه، وازدحموا حول جنازته، وبالرغم من أن المكان الذي أوصى أن يدفن فيه بعيدًا عن منزله كثيرًا، إلا أن المشيعين حملوه أولًا إلى جامع المظفر، الذي كان خطيبًا فيه أكثر من ثلاثين سنة، ثم توجه المشيعون حاملين الجنازة إلى حبيل سلمان محل الدفن، واستغرق السير أكثر من ساعتين، وكان أرهب موقف شاهدته هذه المدينة، خرجت فيه الجموع الكبيرة، وشاركت الجهات الرسمية بالتشييع …

وقد أقيمت عليه صلاة الغائب في معظم مدن الجمهورية اليمنية، بل في كثير من مساجد المسلمين في مصر، وسوريا، وإندونيسيا، وماليزيا، ودول الخليج العربي، وعددًا من دول أفريقيا، ورثاه كثير من العلماء والأدباء شعرًا ونثرًا، وعندما وصل خبر الوفاة إلى الشيخ محمد الهدار في مكة المكرمة قال عن هذا النبأ في مذكراته : (وفي مكة المكرمة أتانا الخبر المدهش لوفاة سيدنا وشيخنا الحبيب إبراهيم بن عمر بن يحيى بعد ابتلاءات لا تقوم لها الجبال، توفي ليلة الثلاثاء (14 جمادى الأولى 1415هـ)، فارتعدت الفرائص لنبأ وفاته، وبكت السماء والأرض لموته، رحمه الله تعالى ورحمنا به والمسلمين، وجمعنا به مع صفوة العبيد في مقعد صدق محل المتقين .


المراجع :

ترجمه  بقلم / هاشم بن سهل بن إبراهيم

خدام السلف