هو أبا عبد الله الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد في شهر شعبان سنة 4 هـ وأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أذنيه جميعًا بالصلاة وعقّ عنه بكبش كما فعل مع أخيه الحسن، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم حسينًا.
فعن علي رضي الله عنه قال : لما ولد الحسن جاء رسول الله فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حربًا قال : بل هو حسن فلما ولد الحسين قال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت سميته حربًا قال : بل هو حسين فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت سميته حربًا قال : هو محسن ثم قال : إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر .
أدرك الإمام الحسين رضي الله عنه من حياة جده صلى الله عليه وسلم ( ست سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام ) وكان له من حنانه ومحبته صلى الله عليه وسلم الشي الكثير فكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يداعبه ويحمله على كتفه ويضعه على حجره ويرقيه ويضمه ويقبله ويقول : “حسين مني وأنا من حسين”
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يومًا من بيت أم المؤمنين عائشة فمر على بيت ابنته السيدة فاطمة الزهراء فسمع حسينًا يبكي فقال : “ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني! “
وكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الحسين معه إلى المسجد النبوي في أوقات الصلاة، وكان صلى الله عليه وسلم يدخل في صلاته حتى إذا سجد جاء الحسين فركب ظهره، وكان صلى الله عليه وسلم يطيل السجدة فيسأله بعض أصحابه إنك يا رسول الله سجدت سجدة بين ظهراني صلاتك أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : “كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته”!
أوصافه
كان الإمام الحسين رضي الله عنه من أشبه أهل البيت برسول الله صلى الله عليه وسلم
أخرج البخاري عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال عن الإمام الحسين : كان أشبهَهم برسول الله – صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ مخضوبًا بالوسمة ( الوسمة : نَبْت يُخْتضب به يميل إِلَى سوَاد ) .
وجاء في تهذيب الكمال : عن سفيان بن عيينة قال : قلت لعبيد الله بن أبي يزيد : رأيت حسين بن علي ؟! قال : نعم أسود الرأس واللحية إلا شعيرات ها هنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان شبهًا برسول الله – صلى الله عليه وسلم- أو لم يكن شاب منه غير ذلك! .
أخلاقه ومجاهداته
كان الإمام الحسين رضي الله عنه كثير الاجتهاد في الطاعات والعبادات منذ الصغر حيث وُلد رضي الله عنه في المدينة المنورة، وتربّى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بيت والده علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونشأ منذ نعومة أظفاره على الأخلاق الحميدة، والعلم النافع الذي كان يتلقّاه في المسجد النّبوي الشّريف، وقد رُوي أنّه حجّ خمسة وعشرين مرةً ماشيًا على قدميه ! .
- كان الإمام الحسين بن علي -رضي الله عنه كثير الإحسان للفقراء والمساكين وقد نقل الإمام الطبراني في كتاب مكارم الأخلاق أنّ زوجة الحسين بن علي بعثت له في أحد الأيام تُعلِمه بأنّها صنعت له طعامًا وطيبًا، وتخبره بأن يُحضِر من شاء إلى ذلك الطعام فدخل رضي الله عنه إلى المسجد وجمع المساكين وذهب بهم إليها، فأتاها جواريها وقلن لها :” والله لقد جلب عليك المساكين” ثم دخل الحسين على زوجته وقال : “أَعزِمُ عليكِ لما كان لي عليكِ من حقٍّ أن لا تدَّخرِي طعامًا، ولا طيبًا” ففعلت فأطعمهم وكساهم وطيّبهم .
- وكان الإمام الحسين – رضي الله عنه – عظيم التواضع والرحمة والعطف ورُوي عنه : أنّه مرّ في أحد الأيام راكبًا على مساكين يأكلون الخبز، فسلَّم عليهم فدعوه للطعام، فقرأ قول الله تعالى : ( لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ) ثم نزل فأكل معهم، ثم قال لهم : “قد أجبتكم فأجيبوني ” فذهبوا معه إلى منزله، حيث أطعمهم وكساهم ثمّ انصرفوا .
- كان الإمام الحسين رضي الله عنه ذا منزلة عالية عند الصحابة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم له ومكانته عنده، وفي الإصابة في تمييز الصحابة : (أن سيدنا عمر بن الخطاب كان يكرمه وأخاه الحسن ويعطيهما مثل عطاء أبيهما….).
وفي الطبقات الكبرى : أن سيدنا عمرو بن العاص – رضي الله عنه – كان جالسًا في ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلًا فقال عمرو رضي الله عنه : ( هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم ) !.
وروي بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال : دخل حسين بن علي من باب بني فلان فقال جابر : “من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فأشهد أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله “
عن أبي أيوب الأنصاري، قال : دخلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والحسن والحسين يلعبان على صدره، فقلت : يا رسول الله! أتحبهما ؟! قال : (كيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا) رواه الطبراني في ” المعجم ” .
وعن الحارث، عن علي مرفوعًا : (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) .
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (حسين سبط من الأسباط ، من أحبني فليحب حسينًا) وفي لفظ : (أحب الله من أحب حسينًا) سير أعلام النبلاء “
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، قال : قعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – موضع الجنائز ، فطلع الحسن والحسين فاعتركا، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : إيها حسن . فقال علي : يا رسول الله! أعلى حسين تواليه ؟ فقال : هذا جبريل يقول : إيها حسين، ويروى عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه . (إيها حسن : كف ياحسن).
متفرقات من أخباره
سير أعلام النبلاء : عن أبي المهزم، قال : (كنا في جنازة، فأقبل أبو هريرة ينفض بثوبه التراب عن قدم الحسين) .
وايضا سير أعلام النبلاء : وعن سعيد بن عمرو : أن الحسن قال للحسين : وددت أن لي بعض شدة قلبك، فيقول الحسين : وأنا وددت أن لي بعض ما بسط من لسانك .
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة من الهجرة والإمام الحسين لا زال صغيرًا ثم ماتت أمه الزهراء رضي الله عنها وأرضاها في نفس السنة، وعندما بويع سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخلافة كان الإمام الحسين قد تجاوز العشرين من عمره، وشهد رضي الله عنه بيعة أبيه للخلافة وقاتل معه الخوارج وكان في جيشه في موقعة الجمل وموقعة صفين .
وكان رضي الله عنه في طليعة الجيش الذي سار لفتح طبرستان بقيادة سعد بن أبي وقاص وتنقل مع جيوش المسلمين لفتح افريقيا وغزو جرجان وقسطنطينية، ونقل عن المؤرخون أيضًا : أن الإمام الحسين زار مصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جيش الفتح الإسلامي.
استشهاده رضي الله عنه
علي بن الحسين بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا أبو غالب عن أبي أمامة، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لنسائه : لا تبكوا هذا، يعني – حسينًا : فكان يوم أم سلمة، فنزل جبريل : فقال رسول الله لأم سلمة : لا تدعي أحدًا يدخل . فجاء الحسين، فبكى فخلته يدخل، فدخل حتى جلس في حجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال جبريل : إن أمتك ستقتله . قال : يقتلونه وهم مؤمنون ؟ قال : نعم ، وأراه تربته .إسناده حسن .
خرج الحسين متوجهًا من مكة المكرمة بعد أن خرج من مدينة جَدِّه صلى الله عليه وسلم، قاصدًا البيت الحرام، ومستخيرًا ربه ذا الجلال والإكرام ؛ بعد أن وصلت إليه 17000 توقيع بالبيعة، وعزم وتحرك وقد التف حوله فتيان بني هاشم، ومعهم عصابة من أنصارهم ومحبيهم، ومن ورائهم كان النساء والأطفال، فلقيه عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – وقال له : يا بن بنت رسول الله، أحق ما بلغني عن عزمك بالخروج إلى تلك الجهات ؟ قال : نعم ، فقال : أما وإنهم قد خذلوا أباك وأخاك وما أراهم إلا خاذلوك .. فقال : أما وإني أعلم أن القوم خاذلي .. قال فعلام تخرج يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إن القوم لن يتركوني، وإنهم قاتليي ، وأكره أن تنتهك حرمة الحرم من أجلي ..
مشى الإمام ومعه الركب، فلقيه الفرزدق – محب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقال له الإمام الحسين : يا أبا فراس، كيف خلفت الناس من ورائك ؟ فقال : على الخبير وقعت .. إنّي أصف لك حالهم .. يا بن بنت رسول الله، لقد خلفتهم وقلوبهم معك وسيوفهم عليك .. فقال الإمام : الله المستعان؛ تلقاه جيش قوامه 3000 جندي مدجج بالسلاح، وسايروا ركبه ليمنعوه الوصول إلى الكوفة .
جاء الخبر أن مسلم بن عقيل قد استشهد، فاجتمع ببني هاشم في ظلمة الليل، وعلى خطوات لا تبعد كثيرًا منهم كان جيش الأعداء الذين خانوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفيهم أعداد ممن أرسلوا التوقيع بالبيعة للإمام الحسين، ولكنها الدنيا إذا حلّت أوحلَت .
اجتمع بفتيان بني هاشم، وقال : ماذا ترون ؟ فقال أبناء مسلم بن عقيل : أنت إمامنا .. فقال الحسين : إذا نموت على ما مات عليه مسلم – لكنه أدركته الشفقة على شباب هم البدور في ظلم الليالي، من عترة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم – فيهم أخوه العباس حامل رايته، وفيهم أولاده علي الأكبر وعلي الأوسط وعلي زين العابدين، وأبو بكر وعمر وعبد الله الرضيع، وفيهم أبناء أخيه الحسن، وفيهم أبناء أخته السيدة زينب، الذين كان أبوهم عبد الله بن جعفر . فالتفت إليهم وقال : يا بني، إن القوم لا يريدونكم ولكن يريدونني . والليل ساتر فدونكم، وارجعوا يغفر الله تعالى لكم . فالتفت إليه أخوه العباس بن علي : وقال، ما الذي أسمع منك، أتريد أن نرجع إلى المدينة، فيتلقانا أهلها ونقول لهم : لقد خلفنا وراءنا سيدنا يلقى القتل وجئنا فرحين بالحياة، لا وعزة الله لا يصلون إليك وفينا عرق ينبض . فبايعوه على الموت في ليلتهم .
ثم دعا الأنصار ، وقال : قد صحبتمونا على أن القوم بايعونا، والليل ساتر فدونكم الطريق إلى المدينة . فقال أحدهم : أتريدنا معاشر الأنصار أن نرجع إلى المدينة ونقول قد خلفنا وراءنا أبناء رسول الله يقتّلونا أمامنا .. لا وعزّة الله لا يصلون إليك وفينا عرقٌ ينبض .
ولما جن الليل اختلى الإمام الحسين بربه، وقام في خلوته يصلي ويتوجه إلى مولاه، وكأنه بذلك القلب الطاهر يتلقى فائضات قيام جدّه يوم بدر وهو يقول : يا حيّ يا قيوم . وصلى الفجر بالقوم جماعة ولبس جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت معه، وكانت قد قدمت، وجعلها مما يلي بدنه . فنظرت إليه السيدة زينب، وقالت له : يا حسين، ما لك لبست جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلتها مما يلي بدنك ؟ فقال : إن القوم قد خانوا عهد الله، وما أراهم إلا قاتلي وسالبي ثوبي الذي علي، وإنا آل بيت لا تظهر عوراتنا على الخلق، فجعلت الجبة مما يلي بدني حتى إذا سلبوا ثيابي الجديدة لم يكشفوا عورتي .
أخذت الحسين سنة من النوم، فرفع رأسه إلى السماء وهو يحوقل، فقال : “رأيت جدي وجدك رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة، وقال لي : “يا حسين الليلة تفطر عندنا” وكان الإمام صائمًا لأنه كان في يوم عاشوراء، فبكت السيدة زينب : وقالت : واحسيناه ، واحسيناه . فقال : ترفقي بنفسك يا أختاه .. ثم قام وصف الصف، فجاءه فتيان الأنصار يشتكون بني هاشم، وقالوا : إن فتيان بني هاشم قد أخذوا الصف الأول وتركوا لنا الصف الثاني، ثم قالوا : إن العدو إذا هجموا على بني هاشم في الصف الأول وقتلوهم، لم يكن لهم حاجة في قتلنا نحن في الصف الثاني “فلا تحرمنا الجنة اليوم معك يا حسين، ومعكم يا آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم، فبكى الإمام الحسين وقال : لا عليكم إن تركتم لهم الصف الأول هذا اليوم . ولما وقف الإمام بين الصفين، نظر نظرة إلى من خانوا عهد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . فسالت دمعته وفاضت، ولمحته السيدة زينب وقالت : “ما الذي أرى على وجهك ؟ أتجزع من الموت، إنك تقدم على أخيك الحسن، وعلى أبيك علي، وعلى أمك الزهراء، وعلى جدك المصطفى صلى الله عليه وسلم” . فالتفت إليها : وقال : إليك عني، فليس الحسين بالموت يجزع !! فقال : “إني نظرت إلى القوم فوجدتهم يدخلون النار بقتلهم إيانا بغير وجه حق .. ووددت لو يدخلون الجنة” .. !!!
واصطفت الصفوف، وبدأت المعركة، وخاض الحسين رحاها، وبدأ الأعداء يتخللون الصفوف إلى الأمام، وبدأت سيوفهم تنال من ذلك الجسد الطاهر ، كان أول من استأذن أن يقاتل بين يدي الحسين مدافعًا عنه ابنه علي الأكبر ، وقال : ائذن لي يا أبتاه .. فقال : دونك يا بني .. وقاتل حتى لقي الله تعالى شهيدًا، فنظر إلى ولده ودمه قد سفك على الأرض، فقبل ولده وقال “اللهم فاشهد” وتوالى الرجال بين يدي الحسين واحدًا تلو الآخر ، وكان من بينهم رجلًا خادمًا للإمام الحسين، فاقترب منه وقال له : ائذن لي أن أقاتل بين يديك فقال : إنما صحبتنا على العافية، والقوم لم يقصدوك فارجع إلى أهلك .. فبكى ذلك الرجل وقال : “لقد تركتموني ألعق قصاعكم فضلة طعامكم، فلا تحرموني أن أرد الجنة على جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم معكم”.
احتدم القتال، وكان من أبناء سيدنا الحسن الذين شاركوا في المعركة مع عمهم شاب فتى يافعًا في الرابعة عشر من عمره – كان من أشبه آل البيت وجهًا برسول الله صلى الله عليه وسلم – فانقطع شعذ نعله في المعركة، انكب على شعذ النعل يصلحه، فضربه أشقى القوم فصرخ قائلًا : “واعماه” فأسرع إلى ابن أخيه، ووجده على الأرض والدماء تسيل من رأسه فأخذ رأسه ووضعها على فخذه : وقال : “يعز على عمك أن تناديه يا عماه فلا يجيبك، ولكن موعدنا الحوض عند جدك محمد صلى الله عليه وسلم” .
اشتدت المعركة وقتل من كان من آل البيت، وقتل من كان من الأنصار وكانت في خيمة النساء السيدة سكينة بنت الحسين، وكانت قد جمع الله تعالى لها من الأدب والورع والذكر والإقبال على الله تعالى، وكانت أحب بنات أبيها إلى قلب أبيها، وأكثرهن دلالًا عليه، فكان إذا كر الحسين رجع إلى خيمة النساء متفقدًا فإذا سمعت صهيل خيل الإمام الحسين تخرج إلى خارج الخيمة تُطمئن أباها على النساء اللَّواتي في الخيمة .
استشهد العباس بن علي، واستشهد أبناء الحسين واحدًا تلو الآخر ، ما خلا (الإمام علي زين العابدين) الذي كان مريضًا في خيمة عمته السيدة زينب وكان هناك رضيع : عبد الله بن الحسين، صائحًا من شدة العطش فقال الحسين : اتقوا الله في هذا الرضيع، فأخذ أحد الأشقياء سهما رمى به عبد الله بن الحسين الرضيع، فنظر الإمام الحسين وقد امتلأت يده بدم ابنه، فرفع الدم إلى السماء وقال : “اللهم فاشهد” ونظر إلى الرجل الذي منع ابنه الرضيع من شربة الماء : وقال : “أظماك الله، أظمأك الله” فصاح الرجل من ساعته اسقوني اسقوني، فكان يشرب الماء ويشرب الماء فلا يزداد إلا ظمأ وعطشًا، فانقدت بطنه ومات من ذلك المرض !!
لما بقي الإمام الحسين وحده يقاتل، التفت علي ( زين العابدين ) بن الحسين فرأى أباه وحيدًا، والكل مجندل على الأرض، فقال للسيدة زينب : “يا عمة، ناوليني السيف والعصا” وقال : السيف أقاتل به، والعصا أتوكأ عليها فخرج الإمام علي زين العابدين الذي لم يتجاوز العشرين على خلاف في سنه، وأخذ يسحب قدميه إلى خارج الخيمة وهو لا يكاد يحمل سيفه بيده، فالتفت الإمام الحسين وقال : “يا زينب ، ردي عليًا حتى لا ينقطع نسلنا من على الأرض ” فردته إلى الخيمة، وأحاط القوم بفارسهم، ولما رآهم يضربون الفرس تارة في رجلها وتارة في فخذها “أشفق على فرسها، فترجل من على الفرس وأطلقها” وقام الفارس على قدميه، وأحاط به أهل الغدر والمكر ، وأخذوا ينالونه بسيوفهم .
كثرت الجراح بذلك الإمام، حمل عليهم حملة قوية، ثم أحاطوا به مرة قوية، فضربه أحدهم على رجله، وأخذ يقاتل وهو جاثيًا على ركبتيه، وجاء أشقى القوم : شمر بن ذي الجوشن، فضرب على رأسه “فسقط الإمام على الأرض شهيدًا” ..
جاء أشقى القوم فقطع أشرف رأس في ذلك العصر والوجود، فخرج الفرس يجري راكضًا إلى الخيام، فلما سمعت السيدة سكينة صهيل ذلكم الحصان، خرجت فرحة لتطمئن أباها، فخرجت ووجدت الفرس بلا الفارس، فنظرت ووجدت رأس الإمام في جهة وبدنه في أخرى فصاحت “واحسيناه ، واحسيناه ، وا أبتاه” فضجت نساء آل البيت من الخيام . وجاءت السيدة زينب ترد السيدة سكينة إلى خيمتها .
وأقبل الأعداء وأحاطوا بخيام آل البيت، وأرادوا الدخول ومدخرات آل البيت في الخيام فصاحت السيدة زينب : “ألم يبق فيكم ذو مروءة أما وإن دخولكم على النساء في الخيام أمر تخشى منه العرب قبل الإسلام” فدخل مجموعة وقيدوا الإمام علي بن الحسين، ورفعوه على الجمل، وأخذوا رأس الإمام الحسين على رمح وضعوها فعلقوها ورؤوس من معها من الأنصار ، وأمر الخيول أن تمر على الجسد الشريف وهو يلبس جبة جده صلى الله عليه وسلم .
وسيق آل البيت نساؤهم أسارى، وعلي بن الحسين على الجمل مقيدًا، ونساء آل البيت يحطن به باكيات شاكيات، يسرن على أقدامهن حتى وصلن إلى الكوفة .
عرض الموكب على ابن زياد، ولما رأى السيدة زينب قال : الحمد لله الذي نصرنا عليكم وأيدنا . فقالت : “الحمد لله الذي أتم علينا النعمة بشهادة رجالنا” فنظر إلى علي بن الحسين وأمر بقتله، فوثبت السيدة زينب، وضمته إلى صدرها وقالت : “إما أن تقتلني معه وإما أن تتركنا سويًا” فالتفت إليه زيد وكان يعهد الإمام الحسين أمام عينيه يلعب على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أن صاحب هذا الرأس كان يمص لسان جده صلى الله عليه وسلم فيروى من ريقه .. فبكى وقال : “تعستم بقتلكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
أرسل بعدها الركب من آل البيت إلى الشام وكان الناس هناك قد غرروا، وقيل لهم، يقدم عليكم جماعة من الخوارج قد نصر الله أمير المؤمنين عليهم . فدخل الموكب يشق الصفوف بين الناس، وكان أحد المحبين للعترة المطهرة من بين الناس، ينظر وهو يحترق ولا يملك إلا ألف دينار من الذهب كانت معه، فاقترب من الجمل الذي عليه الإمام علي زين العابدين . وقال : بأبي أنت يا علي بن الحسين، أنا محب لكم لله ولقرابتكم من رسول الله، ولكني لا أملك لكم اليوم شيئًا إلا هذه الألف دينار ، فهل تأمرني اليوم بشيء أصنعه ؟ فقال : نعم بارك الله فيك ادفع هذه الدينار إلى حملة رؤوس أبي وإخواني وآل بيتي، وقل لهم : “تحولوا عن النساء إلى جهة أخرى لينشغل الناس بالنظر إلى الرؤوس عن النظر إلى نسائنا”.
دخل الموكب على ساحة قصر يزيد، فجيء بالنساء وعلي بن الحسين فوضع أمامه، ودخلت الرؤوس – أشرف رؤوس على وجه الأرض – وجيء برأس الإمام الحسين، وهي في طبق فوضعت أمام يزيد، وأخذ بقضيب له يحرك شفة الإمام الحسين ويقول : “أما وقد كان حسن الهيئة والوجه ” فصاح أنس بن مالك : وقال : “ارفع قضيبك يا يزيد، فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل هذا الفم” فقام أنس قائلا : تعستم ورب البيت، قتلتم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليتم عليكم يزيدً، ألا فلا تهنؤون بسعادة في العيش أبدًا .
وأمر بالرأس الشريفة أن تطوف بالبلدان حتى تدفن بعسقلان، وظل رأس الإمام الحسين مدفونًا في عسقلان حتى جاءت الحروب الصليبية . فأرسل الوزير الفاطمي في مصر 30000 دينار من الذهب إلى والي عسقلان قائلًا : أرسل لنا برأسه لنضعه في مكان حصين لا ينبشه أحد، فلما رفعوا الرأس الشريف وجدوها تقطر دمًا، بعد مئات من السنين، وكأنها قطعت الساعة، اللون لون الدم والريح ريح المسك، وحملت إلى مصر ، وفي ذلك اليوم المشهود خرج السلطان الفائز بصحبة الصالح طلائع لاستقبال [ الرأس ] الشريف عند مدخل مدينة الصالحية وقد اتخذت مصر زينتها وتهيأت وتعطرت وارتدت ثوب الفرحة واكتست بوشاح السرور وعلى كل باب أضيئت المصابيح استقبالًا لشرف الرأس الحسيني وابتهاجًا بتشريفه الديار المصرية ..
وإجلالًا لشرف الاستقبال قام المصريون ( بخلع نعالهم ) حتى لم يكن بينهم من هو مرتديًا نعله، وجرت مراسم التسليم الشريفة عند حدود الصالحية ليحملها الموكب السلطاني وتوضع في كيس من الحرير الأخضر وتحمل على كرسي من الأبانوس وتسير ويسير خلفها الناس فرحين مهللين مكبرين من الصالحية وحتى بوابة مسجد طلائع الذي كان تحت الإنشاء حيث تم بناؤه خصيصًا ليدفن به رأس الحسين ولم يكن الرأس الشريف يمر بقرية أو مدينة حتي يلقي لها الأهالي والأحباب بالورود والعطور والرياحين …
استشهاده
فكان استشهاده رضي الله عنه في يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61 هجرية الموافق 10 أكتوبر سنة 680 م رضي الله عنه وأرضاه .
المرجع :
أهل الوداد








