هو الإمام المجمع على جلالته في كل شيء أبو محمد علي بن ٱلحسين بن علي بن أبي طالب ٱلهاشمي ، ٱلعلوي ، ٱلمدني، ٱلقرشي ، ومن ألقابه التي عرف بها زين العابدين، وسيد الساجدين والعابدين، والسجاد – لُقب به لكثرة سجوده –
وُلد يومَ 5 من شعبان 38 هـ ، بالمدينة المنورة، وهو الولد الوحيد الناجي من مأساة ( كربلاء ) وكانت منه ذرية الإمام الحسين – والتي كان منها السادة آل باعلوي رضي الله عنهم –
وصفه وأخلاقه
كان رضي الله عنه من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحة، قال فيه يحيى الأنصاري : هو أفضل هاشمي رأيت، وقال الزهري : لم أدرك بالمدينة أفضل منه .
ووُصف الإمام علي زين العابدين بأنه بحر المكارم الذي لا ساحل له، لما اشتهر به من التقوى والزهد والورع والتواضع والصفح والسخاء وغيرها من مكارم الأخلاق .
حلمه وعفوه عند الإساءة
حكي : أن رجلا لقيه فسبَّه وبالغ في سبه فبادرت إليه العبيد والموالي فكفهم عنه وقال : مهلًا على الرجل، ثم أقبل عليه وقال له : ما سُتر عنك من أمرنا أكثر ! ألك حاجة نعينك عليها ؟!
فاستحى الرجل فألقى عليه خميصته التي عليه وأمر له بعطاء فوق 1000 درهم فقال الرجل : ” أشهد أنك من أولاد الرسول! “
ومن الروايات المشهورة عن فضله وحلمه وحسن خلقه أنه لما شتمه رجل في وجهه فأعرض عنه الإمام علي زين العابدين ثم كرر ذلك والإمام يعرض فقال له الرجل : إياك أعني!! فأجابه الإمام : وعنك أُغضي!.
سخاؤه وصدقة السر وإحسانه للفقراء
كان رضي الله عنه عظيم السخاء كثير الجود والعطاء لا يرتاح له بالًا إلا بالبذل وقد قيل : ” ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت علي بن الحسين ” وقال محمد بن إسحاق : كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين معايشهم و مآكلهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلًا إلى منازلهم .
وكان يحمل جراب الخبز على ظهره في الليل يتصدق به فلما غسلوه جعلوا ينظرون إلى سواد في ظهره فقيل : ما هذا ؟! فقالوا : كان يحمل جراب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة، وقال سفيان : أراد علي بن الحسين الحج فأنفذت إليه أخته سكينة ألف درهم فلحقوه بها بظهر الحرة فلما نزل فرقها على المساكين!
وكان رضي الله عنه إذا أقرض قرضًا لم يستعده وإذا وعد وعدًا لم يأكل ولم يشرب حتى يفي به!
وكان إذا أعار ثوبًا لم يرجعه، وإذا سعى في حاجة فتوقفت .. قضاها من ماله وكان يحج ويغزو ولا يضرب راحلته، ولما توفي رضي الله عنه وجدوه يعول 100 أهل بيت وكان يحمل جراب الطعام على ظهره بالليل فيتصدق به على فقراء المدينة .
خوفه من الله وخشيته في العبادة
كان عظيم الخوف والخشية من الله تعالى وكان إذا هاجت الريح يخر مغشيًا عليه ولما حج قال : لبيك، فسقط مغشيا عليه ….
وكان يقول أصبحت مطلوبًا بثمان : الله يطالبني بالفرائض والنبي بالسُنّة، والعيال بالقوت، والنفس بالشهوة، والشيطان بإتّباعه، والحافظان بصدق العمل، وملك الموت بالروح، والقبر بالجسد، فأنا بين هذه الخصال مطلوب!
وكان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه ولا يخطر بها، وإذا قام إلى الصلاة، أخذته رعدة، فقيل له، فقال : ” تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي ” وكان إذا توضأ إِصْفَر .
وعن إبراهيم بن محمد الشافعي، عن سفيان : حج علي بن الحسين، فلما أحرم اصفر وانتفض ولم يستطع أن يلبي، فقيل : ألا تلبي ؟ قال : أخشى أن أقول : لبيك، فيقول لي : لا لبيك . فلما لبى، غشي عليه، وسقط من راحلته . فلم يزل بعض ذلك به حتى قضى حجه .
ماقيل فيه رضي الله عنه
كان الإمام الزهري إذا ذكر عليًا بن الحسين رضي الله عنه يبكي ويقول : ( زين العابدين ) وكان يقول : ” مَا رَأَيْتُ قُرشيًا أَفْضَلُ مِنْهُ ” ، وقال أيضًا : ” لم أَدْرَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ” ، وقال : ” كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مِن أَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَحْسَنُهُمْ طَاعَةٍ … “
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : “مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ” وقَالَ الإمام مالك : ” سُمِّيَ زَيْنِ الْعَابِدِينَ لِكَثْرَةِ عِبَادَتُهُ ” وَعْدَهُ الشافعي أَنَّهُ : أَفْقَهُ أَهْلِ المدينة .
قيل : إن رجلًا قال لابن المسيب : ما رأيتُ أورع من فلان . قال : هل رأيتَ علي بن الحسين ؟ قال : لا . قال : “ما رأيتُ أورع منه”
وقال جويرية بن أسماء : ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – درهمًا قط!
ومن مجاهداته رضي الله عنه كان، يصلي في اليوم والليلة 1000 ركعة وكان يلقب بـ ( السجّاد ).
وكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه ويقول : “أتدرون بين يدي من أقوم” ؟!
عن أبي نوح الأنصاري قال : وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون : يا ابن رسول الله النار ، فما رفع رأسه حتى طفئت، فقيل له في ذلك فقال : ” ألهتني عنها النار الأخرى” !
متفرقات من أخباره
أنشأ الإمام علي زين العابدين رضي الله عنه حلقة للدرس في المسجد النبوي وتتلمذ على يديه أكابر التابعين كسيدنا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وكان كثيرًا ما يُرَغِّب في الآخرة ويزهد من الدنيا في دروسه وخطبَه .
وكان رضي الله عنه كثير الثناء على ساداتنا أبوبكر وعمر وعثمان، وفضائله لا تكاد تحصى، وكان سيدنا علي زين العابدين رضي الله عنه عظيم الصفح والتجاوز والحلم والتواضع وكان يقول : ( ما يسرني بنصيبي من الذل حمْر النعم ) أي لا يحب أن يعطي نصيبه من الذلة لله والذلة على المومنين بالمال الكثير وهذه من الصفات الحميدة، قال تعالى : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) .
وقيل : كان علي بن الحسين إذا سار في المدينة على بغلته، لم يقل لأحد : الطريق ويقول : “هو مشترك ليس لي أن أنحي عنه أحدًا “
كان الإمام الزهري إذا ذكر عليًا بن الحسين رضي الله عنه يبكي ويقول : زين العابدين .
وذكروا : أن نافع بن جبير لام الإمام زين العابدين على جلوسه لزيد بن أسلم وهو عبد فقال : ( إنه ينبغي للعلم أن يؤتى حيث كان ) !
قال المناوي : دخل على علي زين العابدين رضي الله عنه في مرض موته محمد بن أسامة بن زيد يبكي فقال له : ما يبكيك ؟! فقال له : علي دين خمسة عشرة ألف دينار فقال : “هي علي! ” ووفاها رضي الله عنه .
يحكى أنه : قدم على الإمام علي بن الحسين رضي الله عنه نفر من أهل العراق فقالوا في سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان – يعني طعنوا فيهم – فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم زين العابدين : ألا تخبروني من أنتم ؟ أنتم المهاجرون الأولون { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } قالوا : لا ، قال : فأنتم { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } قالوا : لا ، فقال : أما أنتم الذين قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا } اخرجوا عني فعل الله بكم و صنع .
لباسه وهيئته وسمته
نقل أن الإمام علي بن الحسين كان يخضب بالحناء والكتم وقيل : كان له كساء أصفر يلبسه يوم الجمعة ؛ وقال عثمان بن حكيم : رأيت على علي بن الحسين كساء خز ، وجبة خز .
وروى حسين بن زيد بن علي، عن عمه، أن علي بن الحسين كان يشتري كساء الخز بخمسين دينارًا يشتو فيه، ثم يبيعه، ويتصدق بثمنه .
وقال محمد بن هلال : رأيت علي بن الحسين يعتم، ويرخي منها خلف ظهره . وقيل : كان يلبس في الصيف ثوبين ممشقين من ثياب مصر ويتلو : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ )
قصة الحج مع هشام وقصيدة الفرزدق
حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة، وجهد أن يستلم الحجر الأسود، فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس عليه، فنُصـب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك ….
إذ أقبل علي بن الحسين وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحةً وأنظفُهم ثوبًا، فطاف بالبيت، فلما بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلّهم وأخلَوا له الحجر ليستلمَه، هيبة وإجلالًا له ..
فغاظ ذلك هشامًا وبلغ منه، فقال شامي : من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة يا أمير المؤمنين ؟! فنكره هشام وقال : لاَ أعرِفُه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه ….. !
فقال الفرزدق – وكان من شعراء بني أمية ومادحيهم، وكان حاضرًا – : لكنّي أنا أعرفه .
فقال الرجل الشامي : ومن هو يا أبا فراس؟!
فأنشأ قصيدة، ذُكر بعضها في ” الأغاني ” و ” حلية الأولياء “و ” الإرشاد “.
فغضب هشام، ومنع جائزته، وقال له : ألا قلتَ فينا مثلها؟
فقال الفرزدق : “هاتوا جدًّا كجدّه، وأبًا كأبيه، وأمًّا كأمّه، حتى أقول فيكم مثلها!”
فحبسوه بعسفان، بين مكة والمدينة .
فبلغ ذلك عليَّ بن الحسين، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال : اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به .
فردّها الفرزدق وقال : يا ابن رسول الله، ما قلتُ الذي قلتُ إلا غضبًا لله ولرسوله، وما كنتُ لأرزأ عليه شيئًا .
فردّها الإمام إليه، وقال – وفي رواية – : ” إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئًا لا نستعيده “، فقبلها الفرزدق .
وكان مطلع القصيدة هذه الأبيات :
يَا سَائِلِيَ أَيْنَ حَلَّ الجُودُ وَالكَرَمُ..
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ……..
عِنْدِي بَيَانٌ إِذَا طُلَّابُهُ قَدِمُوا
وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
روى سيدنا علي السجاد الحديث عن أبيه وعمه الحسن وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة أمهات المؤمنين رضي الله عنهم، وكان نقش خاتمه ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ).
وفاته
توفي رضي الله عنه في 25 محرم سنة 95 للهجرة وله من العمر 57 سنة ودفن في البقيع إلى جانب قبر عمّه الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه، وله 11 ذكرًا و 4 إناث .
المرجع :
آل باعلوي
أهل الوداد








