الحبيب عمر الجيلاني الحسني مفتي السادة الشافعية بمكة

الشيخ العلامة المحدث مفتي السادة الشافعية بمكة المكرمة الحبيب عمر بن حامد الجيلاني


 

رحل عن الدنيا جسدٌ، وبقي أثرٌ لا يغيب… فالعلماء لا تنتهي سيرتهم عند الرحيل، بل تبدأ من جديد في قلوب طلابهم ومحبيهم .

الحبيب عمر الجيلاني الحسني رحمه الله كان من أهل العلم والدعوة الذين عاشوا لله، وساروا في الأرض لإحياء السنّة وتعليم الناس الخير، حتى ختم حياته في طريق الدعوة إلى الله .

نسبه

هو الشيخ العلامة المحدث مفتي السادة الشافعية بمكة المكرمة الحبيب عمر بن حامد بن عبدالهادي بن عبدالله بن عمر بن أحمد الجيلاني الحسني ويرجع نسبه إلى سلطان الأولياء والعارفين أبي صالح عبدالقادر الجيلاني .

والحبيب عمر أحد العلماء البارزين في مكة المكرمة، بقية الشيوخ العارفين المربين .

الولادة والنشأة

ولد الحبيب عمر بن حامد الجيلاني عام 1365/10/1 هجرية، بحضرموت باليمن الميمون في وادي دوعن من قرية الخريبة ( قرية تهوي إليها قلوب العلماء قبل أجسادهم وكانت مرتعًا خصبًا للعلم والعلماء ) من أبوين صالحين فأبوه هو علامة الوادي الإمام حامد بن عبدالهادي الجيلاني .
كان مثالًا فريدًا في علمه وأخلاقه وكانت وظيفته تدور بين أمور عبادة وتعليم وإصلاح بين الناس، وأمه كانت من العابدات الصالحات من أسرة المشائخ آل باراس وهي أسرة تسلسل فيها العلم منذ قديم الزمان .
نشأ رحمه الله تعالى على حب العلم والشغف به منذ الصغر فلازم والده ملازمة الظل لأصله .

طلبه للعلم

وكان والده يرعاه رعاية خاصة لما رأى فيه من النجابة والذكاء، فقرأ عليه كتبًا عديدة في مختلف العلوم والفنون في النحو والفقه والحديث والتفسير وتهذيب النفوس وغير ذلك، وجد واجتهد في الطلب، وهجر لذيذ المنام، وكان من ثمار ذلك التحصيل ترشيحه للتدريس في مدرسة الخريبة، فدرس فيها وألقى للطلاب ما لذ وطاب وأدخل بعض المواد التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت، حتى تطورت المدرسة وزاد فيها عدد الطلاب أضعاف ما كانت عليه قبل ذلك .

ولما سافر والده إلى الحج خلّفه في الدرس وعمره لم يتجاوز ال 17 سنة وأخذ كذلك عن العديد من مشائخ حضرموت في ذلك الوقت منهم الحبيب محمد بن هادي السقاف والحبيب علوي بن عبدالله بن شهاب .

هجرته لمكة المكرمة

ثم شاءت الأقدار وسافر الحبيب عمر من حضرموت إلى مكة المكرمة بسبب ما كان يسود حضرموت من الحكم الاستبدادي الشيوعي واستقر فيها وأخذ العلوم عن علمائها الأعلام منهم :

الشيخ حسن مشاط، والعلامة السيد علوي بن عباس المالكي، والشيخ العلامة عبدالله اللحجي، والشيخ عبدالله الدردوم، والشيخ إسحاق عزوز ، والحبيب عبدالقادر بن أحمد السقاف، والحبيب أحمد مشهور بن طه الحداد، والحبيب هود السقاف، والشيخ ياسين الفادني وغيرهم الكثير من علماء الحرمين الشريفين والعالم الإسلامي .

نشاطه العلمي

وكان الحبيب عمر خير خلف لخير سلف، فقد أقام الدروس العلمية في مكة المكرمة وكانت بدايته في الدروس بحضور العدد القليل جدًا لا يتجاوز الخمسة بل أقل ثم كتب الله له القبول بعلمه وأخلاقه العالية مع الصغير قبل الكبير فحواهم واهتم بهم فانهال الناس على دروسه في الفقه والحديث وتهذيب النفوس واحتفوا حوله مغترفين في غرفة من بحار علومه الواسعة، وقد كان قائم بالدروس العلمية في مكة المكرمة أكثر من ثلاثين سنة، وكان درسه العام في غير رمضان كل ليلة بعد العشاء، أما في رمضان فكان يعقد درسه بعد العصر وكان يحضر دروسه عدد كبير من العلماء والسادة والطلاب من أنحاء العالم يسمعون قوله الممتع لما فيه من الحكم والفوائد والشوارد والنوادر والعوائد فأقواله درر منضودة ولآلئ مكنونة وجواهر في قلائدها وعقودها، ولا غور فإن سر الآباء والأجداد يسري في الأبناء والأولاد .

مؤلفاته

وللحبيب عدد من المؤلفات والرسائل والأبحاث العلمية منها :
الوجيز في الإجابة عن أسئلة جامعة الملك عبدالعزيز ، والتزكية وحاجة الأمة إليها والغزو البرتغالي للسواحل اليمنية، والفتوى وخطورتها وشروط من يتولاها، وآداب طلاب العلم في تحصيله، وفتح السدَة في تحرير القول في مسألة الإحرام من جدة، ومشاركة فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي، ونشر الممادح والمحامد في ترجمة سيدي الوالد حامد .


وللحبيب كثير من الرحلات الدعوية إلى العديد من بلاد العالم وشارك بكثير من الأبحاث العلمية في كثير من المؤتمرات والندوات العلمية في عدد من البلاد الإسلامية، وأقام كثير من الدورات العلمية في المعاهد الإسلامية في أنحاء العالم، وله عدد من الدروس العلمية في أنواع الفنون خصوصًا في علوم السنة والسيرة النبوية والفقه الشافعي مرفوعة في صفحاته بمواقع التواصل الإجتماعي .
ولايزال طلاب العلم يجنون من ثماره اليانعة وفوائده النادرة في جميع العلوم رحمه الله تعالى ونفعنا به في الدارين .

ومما كتبه الشيخ عون القدومي في رثاء الحبيب عمر الجيلاني -رحمه الله- قوله:


” … يأسرك باطلاعه الموسوعي في اللغة والتاريخ والأنساب ومع كل ما يورده من فوائد وفرائد باسترسال لطيف وصوت هادئ فيه بحة وابتسامة لا تفارق محيَاه

كم كان رقيقًا في ملاطفته لجلسائه ونصحه لأحبَّائه، مع نظراتٍ ثاقبة في مختلف العادات الإنسانية، وقد انتهى به المقام في بلاد تركيا، في مدينة اسطنبول، وأصبح بيته مزارًا لطلبة العلم والعلماء والدعاة وإقامة المناسبات الشرعية المختلفة ومع ذلك قل أن تجده في شهر أو شهرين إلا وهو في رحلة دعوية علمية مع ما أقامه الله فيه من هجرات عن موطنه ومن بعد عن مستوطنه ومحل إقامته .

حتى في أيام الشِّدة الأخيرة في حضرموت، لم يزل يزور المدارس ويواصل الأحباب ويقابل القريب والبعيد، وربما في هذه السنة الأخيرة تضاعفت رحلاته من شرق إفريقيا إلى شرق آسيا، ولم يزل على هذا الحال وهو يتهيأ لافتتاح جامعة علمية شرعية في بلاد دوعن بحضرموت بعد شهور، حتى وافته المنية في الطريق بالطائرة من سلطنة عُمان إلى إندونيسيا، وتوفي داعيًا عالمًا عاملًا … (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ) [الصافات:٦١] “

وفاته

توفي وهو في سبيل الله والدعوة إليه، بين الأرض والسماء، في الطائرة المتجهة إلى إندونيسيا قادمًا من عُمان أثناء رحلة دعوية في يوم الجمعة الرابع من شعبان عام 1447هجرية، وتم دفنه في جاكرتا في قبة الحبيب أحمد بن علوي بن أحمد الحداد، رحمه الله تعالى ونفعنا به في الدارين آمين .

توفاه الله مصداقًا لقوله تعالى : [ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ] .


المرجع :

 أقتباس من كلمة الشيخ عون القدومي، حفظه الله

قناة أهل الوداد