الحبيب جعفر بن أحمد العيدروس رضي الله عنه

هو السيد المفضال، كبير الحال، الكريم الجواد، الإمام العارف بالله صاحب الهمّة والشجاعة والكرم


نسبه

هو السيد المفضال، كبير الحال، الكريم الجواد، الذي لا يُبقي على حقير من الدنيا ولا عظيم، الإمام العارف بالله صاحب الهمّة والشجاعة والكرم الحبيب :

جعفر بن أحمد بن عبد القادر بن سالم بن علوي بن سالم بن علوي بن عبدالله -تلميذ الإمام الحداد-  بن علوي بن أحمد المحتجب -صاحب بور –  بن علوي بن أبي بكر بن عمر بن عبدالله بن علوي ابن سلطان الملا عبدالله بن أبي بكر العيدروس بن أبي بكر السكران بن الإمام عبد الرحمن السقاف بن محمد {مولى الدويلة} بن علي {صاحب الدرك} بن علوي الغيور بن سيدنا الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي ، إلى آخر النسب الشريف .

 ما رأتْ عينُ الزمان مثله ُفي الكرَم، والمتجلي بمحاسن الأخلاق والشيَم، من جمع الله فيه من الأسرار والأنوار ، الشيء الكثير  ووهبه من العطايا الجزال ما لا يقع تحت تقدير ، عالي الهمة لا ينظر إلى الدنيا إلا بعين الحقارة، ولا يلتفت بالأسباب إلا بالإشارة .

مولده  

ولد -رحمه الله ونفعنا بعلومه وأسراره- عام 1308 هـ  ، بمدينة بور {من أعمال السلطنة الكثيرية سابقًا} وهي التي تقع بين تريم وسيئون، وكان محبوبًا كل الحب لدى جدته لأبيه الحبابة عائشة من ذرية علي بن عبد الله آل السقاف، وكانت من الصالحات، وتزوجت على الحبيب عبد القادر بن سالم، وهو جد الحبيب جعفر لأبيه .

نشأته وتربيته

تربى في حِجر جده الحبيب عبد القادر بن سالم العيدروس، واعتنى به وأحبه حبًّا جمًّا، وكان الحبيب عبد القادر معروفًا بهمته وشجاعته وكرمه وعبادته .. فربى الحبيب جعفر تربيةً خاصة .

واختار أن يجعله أُميًّا لا يحسن القراءة ولا الكتابة، وكان لا يستطيع أحدٌ أن يعترض في ذلك، حتى إنَّ والده الحبيب أحمد بن عبد القادر كان يغضب من هذه التربية الأميّة، فيقول له الحبيب عبد القادر : خلّه أميّ، عادك باتشوفه بعد كيف يكون .

سفره إلى جاوة، وشيوخه

سافر الحبيب جعفر إلى جاوة والتقى بالحبيب محمد بن عيدروس الحبشي -رحمه الله- الذي حثّه على التعلق بأسلافه الصالحين، فكان لكلامه الوقع الكبير في قلب الحبيب جعفر ، ومن بعدها ارتبط بالحبيب محمد بن أحمد المحضار ارتباطًا كاملًا، وكان يلازم حضور مجالسه ويذهبون لأجلها إلى سرباية حيث يقيم الحبيب .

وأدخلهم الحبيب محمد المحضار على شيخ جاوة في ذلك الوقت الحبيب أحمد بن عبد الله بن طالب العطاس -رحمه الله- ، ومن خبره أنه كان حاد الطبع ما يتحمل المنكر ، وقد يضرب بالحجر والعصا لكل من رآه مخالفًا للشرع، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولما عرف الحبيب جعفر أحبه حبا جمّا وقرّبه إليه وأدناه لِمَا رأى من السعد والحظ الأوفر اللائح على الجبين الأزهر .

وأخذ كذلك عن الحبيب عبد الله بن محسن العطاس -رحمه الله- ، وعن الحبيب عمر بن أبي بكر بن يحيى -رحمه الله- ، وغيرهم من أعيان وعلماء تلك البلاد -قدّس الله أسرارهم وأمدنا بمددهم في الحس والمعنى – 

عودته إلى حضرموت

بعد أن عاد إلى حضرموت عام 1354 هـ ، ونزوله إلى سيئون، وبعد وفاة الحبيب أحمد بن عبد الرحمن السقاف -رحمه الله- ،  انتقل إلى تريم الغناء، وتعلّق بالحبيب عبد الله بن عمر الشاطري والحبيب علوي بن عبد الله بن شهاب الدين -رحم الله الجميع .

وجلس في الرباط وسكن مع أولاده، في نزال آل الشاطري قريب من الرباط ؛ لأجل أولاده يحضرون الدروس، واستمر  هو يحضر المجالس والمدارس والمحافل ويجالس الشيبان ويستخرج منهم الأسرار ، وخاصة من الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري .

من مجاهداته وعزائمه

وأما عن همته وحاله الكبير ، فقد قال الحبيب عبد القادر بن أحمد السقاف -رحمه الله- : 

إنَّ من همة الحبيب جعفر مع موالاه أنه ما ينام الليل كله، وله غفوة بعد الإشراق من كل يوم، وقد أَلِف السهر منذ صباه وشبابه في مسامر آل باجري وباعطوة وغيرهم، وأعانه هذا على مواصلة السهر ، فجاءته الولاية، وصار يبيت مع الله في ذكره وفكره .

_ ومن همته : أن الدنيا ما لها عنده قيمة ولا قدر قط، ولا يلتفت إليها .

_ ومن همته أيضًا : أن الأشياء تنفعل له انفعالًا عجيبًا، فإذا أراد شيئًا .. يتيسر له وتأتيه الأموال من دون أن يعلم أحد كيف ينفق .

وقلَّ أن يوجد له في الكرم والسخاء نظير ، يَؤمُّه ذوو الحاجات .. فلا يخيب قاصدًا، على الرغم من قلة موارده وصغر منزله المتواضع والذي طالما شبع فيه الجائعون .

_ ومما اشتهر عنه من كرمه : أنه عندما يأتي إليه المحتاج .. يدخل الحبيب جعفر يده إلى جيبه بما يسمى (القصيرة) التي يلبسها – وبها جيوب طويلة جدًا – ، وتكون أحيانًا ممتلئة بنقود مختلفة الفئات – ، فيخرج الحبيب حفنة من النقود لمن يراه محتاجًا دون أن يعدها، وقد يُفاجأ هذا المحتاج أنه حصل على أكثر مما يريد، وهذه عادته على الدوام، وليس يومًا أو عددًا من الأيام . وقصصه معروفة مشهورة، يعرفها من حضر عنده أو زاره .

ركوبه الخيل

كانت له ستة رؤوس من الخيل يملكها ؛ لأنه يحبها كثيرًا، ومهتمٌ كل الاهتمام بخدمتهن وأكلهن وشربهن وتمام رعايتهن، وقد طلب خيلًا لا يكاد يوجد في حضرموت، وتم إحضاره .

ولم يحضر الحبيب جعفر الخيل عبثًا، بل انطلاقًا من الحديث الشريف : ( الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كباسطِ يده في صدقة، وأبوالها وأرواثها لأهلها عند الله يوم القيامة في مِسك الجنة ) . الحديث رواه الطبراني في {الكبير} بإسناد صحيح .

من مناقبه وأحواله

سهل الله للحبيب جعفر طي الأذكار والأوراد في الوقت اليسير ، فترى لسانه سريع الحركة، وله صوت بالذكر يسمعه من كان قريبًا منه، فيأتي بها سبعين ألف مرة في مدة يسيرة جدًا من : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم وبحمده ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، أستغفر الله ، يا الله ، قل هو الله أحد ، والمعوذتين )  .

حثه -رضي الله عنه- على تعدد السواك :

مما سُمع من كلام الحبيب محمد بن عبد الله الهدار -رحمه الله- ، قال : قال الحبيب جعفر -رحمه الله- : اجعل لك عشرة أسوكة أو أكثر في البيت وفي الصندوق وفي الثوب وفي الحمام ؛ لأن الشيطان حريصٌ يضيّع هذه كلها . أو كما قال .

وكان الحبيب محمد الهدار -رحمه الله- كثير الزيارة له والأخذ عنه، وكان الحبيب جعفر يفرح به كثيرًا ويكرمه ويقدّمه، وعندما يتحدث الحبيب محمد عن الحبيب جعفر  كثيرًا ما تفيض عيناه محبةً فيه ، وتأثرًا من سلوكه الكريم .

ومما قاله الحبيب محمد الهدار عنه في أثناء قصيدة له يقول فيها

هذا خليفتهم وحامل سرِّهم..
هو الإمامُ ابن الإمامِ وجدّهم..
عبدٌ على أعتابكم مستضعفٌ
وهذا ولما أن دعا داعي الإله..
فَرِحًا محبًّا للقاء بمقعدِ الصِّـ.

ولدى الظلامِ هو الشهاب النيّرُ
غوث الأنام العيدروس الأكبرُ
مستصرخٌ مستنجدٌ مستنصرُ
حبيبنا فأجابه يتبخترُ
دقِ إلى الصّفِّ الذي هو أكبرُ

تعلقه بأمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه ورضي الله عنه –

يُلاحظ أن معظم قصائده في ديوانه لا يمكن أن يختتمها دون أن يخصص أبياتًا يمتدح فيها الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ، ويذكر بعض صفات أمير المؤمنين، دون أن يشير إلى أي خلاف بين الصحابة ؛ عملًا بما جاء به العلماء العارفون من العلويين أهل السنة .

وفاته ومدفنه

وقد خرج في آخر عهده من قرية بور إلى سيئون، ومكث فيها مدة من الزمن، ثم دخل إلى تريم وأقام بها بقيّة عمره، حتى وافاه الحِمام في ليلة الثلاثاء في الثالث من جمادى الآخرة عام 1296 من الهجرة المباركة، بمدينة تريم .

وشُيعت جنازته تشييعًا يليق بمقامه عند الله وخلقه كما هي عادة السلف الصالح، ودُفن في قبة جده الإمام العيدروس الأكبر عند جدارها البحري القبلي، بمقبرة زنبل . أعاد اللّٰه علينا من بركاته وقدّس أسراره ونفعنا به في الدارين آمين .


ترجمة مختصرة عن الحبيب جعفر بن أحمد العيدروس رحمه الله تعالى

المراجع

قروب خدام السلف 


ترجمة مختصرة عن الحبيب جعفر