الحضارة التي أنارت العالم: إنجازات العلماء المسلمين عبر التاريخ

مرّت اللغات، على اختلاف مشاربها، بمراحل متعددة حتى بلغت صورتها الراهنة،


احتضنت الأرض عبر التاريخ أممًا وشعوبًا متعدّدة الثقافات، ولكل جماعةٍ لغتها التي تتواصل بها مع أبناء جنسها. ومقرّ اللغة هو العقل، فبالعقل أبدع الإنسان وعمّر الأرض وطوّر لغته .

وقد مرّت اللغات، على اختلاف مشاربها، بمراحل متعددة حتى بلغت صورتها الراهنة، غير أنّ بعضها اندثرت لقلة استعمالها أو لجمودها عن التطوّر، فاللغة كالكائن الحيّ : تنمو وتطور، وتموت، والأخذ من اللغات الأخرى ليس ضعفًا، بل دليل على مرونة اللغة وقوّتها، وهكذا تطوّرت لغات العالم عبر العصور .

الكتابة : أداة حفظ التاريخ

عاشت اللغة العربية ما عاشته غيرها من اللغات، بدأت من نقطة ومرت بنقاط أخرى حتى وصلت إلى حالها الآن من الانتشار والاتساع، فبدأت من الأنباط الذين تحدثوا العربية وكتبوا بها حيث وُجِدَت بها نقوشًا في أراضيهم تثبت أن الكتابة العربية انحدرت من الكتابة النبطية، ومع تقدّم الزمن في الكتابة النبطية يتغيّر الخط ويصبح أكثر قرابة للشكل الحالي للغة العربية، إلا أن فترة ما قبل الإسلام كان الاعتماد على اللغة مشافهةً لذلك وجِدَت لهجات متنوعة في البيئة العربية، ولكن مع ظهور الإسلام والقرآن الكريم عادت العرب للكتابة حفاظًا على القرآن، حتى أصبحت الكتابة هي الأداة لحفظ القرآن والموروث العربي الشعري منه والنثري .

بدأت الارهاصات الأولى للعالم العربي قبل الإسلام باهتمامهم بالشعر العربي الموزون المقفى حيث كان يعبّر عن أحوالهم الإنسانية الاجتماعية والشخصية وفخرهم بأنسابهم وحفظ تاريخهم وسُميَ بـ (ديوان العرب)، بالإضافة لبعض الآداب النثرية والتي كانت في عهدهم بالسليقة دون قواعد، ثم جاء الإسلام وأنزل الله القرآن وانصرف جل الاهتمام إليه وإلى الأحاديث الشريفة فكانوا يحفظونها في الصدور، ثم عمد الصحابة إلى جمعها وكتابتها على العظام أو الأوراق المتوفرة في ذاك الزمان كالورق البردي وغيرها، ثم عاد الاهتمام إلى الشعر إلى جانب القرآن والحديث الشريف، ونتيجةً لدخول غير المسلمين إلى الإسلام بدأ اللحن في اللغة وفي قواعدها واضطر اللغويون إلى تقعيد اللغة وكتابتها في مجلدات بغية الرجوع إليها، وكذلك القراءات القرآنية التي قرئ بها القرآن الكريم في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم، وتوسّعت الأبحاث في مجالات مستندة إلى النصّ الإلهي المقدّس كعلوم التجويد وعلوم الحديث الشريف والأحكام الفقهية واللغة العربية .

العلومُ العقليةُ : انطلاقةُ العربِ لبناءِ حضارتهم

وبعد أن نشأت العلوم العربية الأولى نشأةً نقلية، اتجهت العرب إلى العلوم العقلية التي تحتاج إلى “البحث الحر في الطبيعة باستخدام منهجية علمية، ومن هذه العلوم الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب والنبات والزراعة، أو تكتسب المعرفة بالتأمل العقلي وهي الفلسفة الإسلامية في المشرق والمغرب” وهذه العلوم وليدة احتكاك المسلمين بغيرهم من الحضارات كاليونانية أو الهندية أو الفارسية بالإضافة للترجمة من مؤلفات من حول العالم، فدخول غير العرب إلى الإسلام جعلهم يتمكنون من القواعد اللغوية العربية مما أتاحت لهم الفرصة إلى ترجمة الكتب، والتجارة التي تؤمِّن الاحتكاك بين النّاس وتناقل الأساليب والمفردات اللغوية، وعمِلَ تشجيع الأمراء على الترجمة من دافعية النّاس على التنافس في الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية والحصول على المقابل وهذا سببًا في افتتاح أول مكتبة عربية آنذاك سُميَت بمكتبة (الحكمة)، وكان الخليفة يوهب قصره لعقد حلقات علمية سواء أكانت علمية أم أدبية أم فنية فيجتمعون النّاس فيه من مختلف العالم ورجال العلم والأدب والشعر والطب وغيره، ثم انتقلت هذه المجالس إلى المساجد ولشدّة الإقبال عليها انتقلت هذه المجالس إلى المدارس وبكذا نشأت المدارس.

بعد تشبّع العلماء من الترجمة والاطلاع على مختلف العلوم شقّوا طريقهم لوضع المصنفات في الفلسفة وضروب العلوم الأدبية والفنية والعلمية من تأليفهم وابتكاراتهم مما مهّد لظهور علماء أقوياء كالفارابي والكندي وابن سينا، وجابر بن حيّان والخوارزمي الذي ابتكر الأرقام التي تستخدم حتى الآن، فاهتمامهم بعلوم السابقين ومحاولات لابتكار الجديد بالمنطق جعل للعرب ثورة علمية تذاع في الأصقاع مما مهّد لحضارة عربية إسلامية قوية، أثرت في الحضارات الأخرى كالأوروبية .

انطلاق العرب من الدين كان الطريق القويم لبناء علومٍ وقواعد حياتية ثابتة، ثم انفتحوا على علومٍ أخرى تعينهم لمجاراة حياتهم، فالأرقام كانت من ابتكار العرب فهي الأرقام المعتمدة في أوروبا الآن، والعرب أول من اكتشف الرقم صفر وانتشر حول العالم بنفس الصوت العربي .

وشرح الخوارزمي “طرق الجمع والقسمة والضرب وحساب الكسور”، إنّ الرياضيات التي يستخدمها العالم اليوم انبثقت من أقلام العرب .

وغيرها من العلوم كالعلوم الفلكية التي قوضها العرب لاستنادها على الوهم والتنجيم وربطها بالمستقبل والغيبيات، لكنهم نظروا إلى النجوم نظرةً إيمانية، بأن يهتدوا لأوقات الصلاة أو معرفة بدايات شهر رمضان، ودرسوا الكواكب الشمسية واستعملوا الإسطرلاب، كما أنهم “أدركوا أن الأرض كروية سابحة في الفضاء، وقاسوا محيط الأرض قياسًا دقيقًا يقترب من القياس الذي يجمع عليه علماء الجغرافيا الآن، رغم قلة الوسائل أو التقنيات التي كانت متوفرة لديهم”.

واهتم العرب كذلك بالعلوم الطبية وبرعوا في الصيدلة نظرًا لتقدمهم في الكيمياء، فقد كانوا على معرفةٍ بالتراكيب الكيميائية وزنًا ووقتًا واستفادوا من الأزهار لاستخراج الأدوية، وهم أول من ابتكروا خيوط الجراحة وتميزوا بتشريح أعضاء الجسم حتى الأعضاء الدقيقة ووصفوا العلاقة بين المرض واستجابة المريض حسب الحالة النفسية، واهتموا ببناء المستشفيات وركزوا على تهويتها وكان الأطباء يزورون المرضى ويدونون الملاحظات.

وكانت للعرب الأولوية في فتح أسرار الكيمياء بإجراء التجارب، بالإضافة لعلم الفيزياء فبحثوا في الضوء وظواهره، وغيرها من العلوم الفيزيائية، واهتموا بعالم النباتات في الجوانب اللغوية والغذائية والطبية والمنظور الفلاحي .

ختامًا إنّ اللغة العربية لا تقتصر على كونها أداةً للتواصل اليومي، بل هي لغة ذات تاريخ عريق، وكانت الوعاء الذي حمل العلوم الدينية، وابتكر الفنون اللغوية والعقلية. وقد انطلق العرب من الشعر ذي الأسلوب الرصين، ثم جاء الإسلام ونزل القرآن الكريم فأسهما في بلورة العلوم وصياغتها، مما مهّد لقيام حضارة عربية إسلامية نابضة بالعلم والمعرفة .

الحضارة الإسلامية أرقى حضارة على وجه الأرض

المرجع :

الحضارة والفكر العالمي، الدكتور مصطفى عبدالقادر غنيمات.