بقلم : الاستاذة حنان حسين.
شهد معرض المدينة المنورة للكتاب 2025، في ختام فعالياته، ندوة حوارية مميزة أثارت نقاشًا فكريًا معمقًا، حملت عنوان “المُحاقلة بوصفها استراتيجية نقدية“. وقد أدار الندوة الأستاذ سعود المقحم، مستضيفًا فيها قامة أكاديمية بارزة في مجال اللغة العربية، هو الدكتور محمد الصفراني، أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة طيبة .


مفهوم المُحاقلة : مقارنة وتلاقح بين المجالات
استهل الدكتور الصفراني حديثه بتوضيح المصطلح المركزي للندوة، “المُحاقلة“، مشيرًا إلى أنه يعني المقارنة والمقابلة بين مجالين مختلفين. وأكد أن هذه المقاربة النقدية ليست مجرد مقارنة سطحية، بل هي دراسة تفاعلية وتلاقحية تهدف إلى استكشاف أوجه التشابه والاختلاف والتأثير المتبادل بين العلوم والفنون المختلفة. ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية يمكن تطبيقها بين الشعر والفنون التشكيلية، أو السينما، أو ….، مما يثري كل فن بمعطيات الآخر ويعمق معناه .
من تجويد القرآن إلى النقد الأدبي
في نقطة محورية أثارت اهتمام الحضور، كشف الدكتور الصفراني عن إمكانية تطبيق “المحاقلة” بين تجويد القرآن الكريم والنقد الأدبي. وأوضح أن هذه المقاربة تستثمر مصطلحات علم التجويد الغنية في تحليل التشكيل البصري في الشعر، وتستخلص دلالاته الجمالية والصوتية، مما يمنح الناقد أدوات تحليلية جديدة مبنية على أسس علمية تنطلق من علم التجويد لإبراز جماليات التشكيل البصري في الشعر .
المقصود بالتَّشكيل البصريِّ : كل ما يمنحه النص للرؤية سواء أكانت الرؤية على مستوى البصر “العين المجردة “، أم على مستوى البصيرة “عين الخيال” فهو لا يقصره على الرؤية البصرية كما جرت على ذلك عادة الباحثين، وإنما يوسع مداه ليمتد إلى الرؤية البصرية الخيالية .
وفي معرض إجابته على استفسارات الحضور، حول أهمية المحاقلة، أكد الدكتور الصفراني أن أهميتها تكمن في قدرتها على دراسة تخصص معين باستخدام مصطلحات من حقل معرفي آخر. وضرب مثالاً بعلم التجويد، مؤكدًا أن علم التجويد ليس علمًا وضعه النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو حتى التابعين، وإنما ظهر هذا العلم في القرن الرابع الهجري ودُوِّن في منظومات مثل “الخاقانية”، وقد كان يُظن لقرون طويلة أن التجويد لا يصلح إلا لقراءة القرآن، ولكنه في الواقع يمكن استخدامه لتعليم فن الإلقاء، وتدريب الحنجرة في الكلام وضبط مخارج الحروف وفي الإنشاد، فضلاً عن علاقته الوثيقة بالمقامات، وأوضح أن قُرَّاء القرآن المتقنين، مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، كانوا على علم ودراية واسعة بالمقامات والوقفات، مما منح تلاواتهم ذلك الجمال الفائق .
وذكر أن التفخيم في التجويد، يعَرَّف بتسمين الحرف وتغليظه، هو ذاته ما نستخدمه اليوم في كتاباتنا لتأكيد أهمية كلمة معينة وإبرازها، مثل كتابة “بسم الله الرحمن الرحيم” أو عند الكتابة لمسؤول “سعادة الأستاذ …” بخط سميك، وهي ممارسة بدأها الكاتب عبد الحميد الكاتب .
دور المُحاقلة في إثراء النقد الأدبي
وأبان أنَّ المُحاقلَةَ تُسهم في إثراء النَّقد الأدبيِّ من خلال عدة نواحي ..
- توفير أدواتٍ جديدةٍ لتحليل النُّصوص الشِّعريَّة .
- وتساعد على فهم أعمق للعلاقة بين الفنون وتأثيرها المتبادل .
- وتفتح آفاقًا جديدةً للبحث الإبداعيِّ في مجالاتٍ إبداعية عدّة .
ويُذكر أن معرض المدينة المنورة للكتاب 2025، الذي استضاف هذه الندوة، قد اختتم أعماله بعد سبعة أيام من الفعاليات والأنشطة الثقافية المتنوعة، التي شملت ندوات، أمسيات، ورش عمل، وأركانًا خاصة للناشئة، بالإضافة إلى أجنحة دور النشر، وقد شكّل المعرض تظاهرة ثقافية مهمة في المدينة المنورة، بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة .
المرجع :
من حضور ندوة المحاقلة بوصفها استراتيجية جديدة .. للدكتور الصفراني









