فن المقامة في الأدب العربي: بين الإبداع اللغوي والتعبير عن الواقع

اهتم العرب بالتدوين شعرًا ونثرًا، ففيه أخبارهم، وأحوال أهل زمانهم، ومعتركات حياتهم، وحفظت علومهم.


اهتم العرب بالتدوين شعرًا ونثرًا، ففيه أخبارهم، وأحوال أهل زمانهم، ومعتركات حياتهم، وحفظت علومهم. كما أولوا عناية بالعلوم اللغوية كالنحو والبلاغة، بغية حفظ القرآن الكريم من اللحن، خاصةً بعد دخول أفواج غير عربية في الإسلام. وقد فتح هذا الاهتمام الأبواب لتأليفات أدبية متنوعة، شعرية ونثرية، تم تطويرها أو ابتداع أنواع جديدة منها لمناقشة قضايا المجتمع، كفن المقامة الذي أخذ حيّزًا في الكتابات العربية، واهتم به المؤلفون ونسجوا على منواله، لِما يجمعه من إمتاع بياني وعرض ساخر لقضايا المجتمع .

كان لفظ “المقامة” عند العرب قديمًا يُستخدم للدلالة على “المجلس أو الجماعة من الناس”، وظل تداول هذا المعنى قائمًا حتى العصر العباسي، الذي اشتهر بالنشاط العلمي والأدبي والثقافي، ويُطلق عليه العصر الذهبي. فانتشار الإسلام واتساع رقعته ساهم في المثاقفة بين الشعوب، وتُرجمت فيه علوم كثيرة، مما أدى إلى تطور دلالات بعض الألفاظ. فلم تَعُد المقامة تُشير إلى معناها القديم فحسب، بل أصبحت فنًا نثريًا ذا مكانة مرموقة، ولاقى رواجًا كبيرًا في المجتمع، وظهر في أواخر القرن الرابع الهجري .

تعَدّ المقامة، وليدة البيئة العربية، إنتاجًا أدبيًا وتعبيرًا عن واقعها، ومناقشةً لقضاياها بلغتها وفنها، وهي حكايات تتخذ من التسوّل والتظاهر بالعلم والمعرفة والكدية (التسول بذكاء للحصول على المال أو الطعام) مادة لها، تسلط الضوء على سلبياتها وتأثيرها في المجتمع. وتتكون المقامة من شخصيتين ثابتتين هما : الراوي والبطل، ويختار المؤلف اسميهما، وتدور حولهما أحداث المقامة، إذ يروي الأول حكاياته ومواقفه مع الثاني، بلجوء البطل إلى الحيلة والبلاغة للحصول على مبتغاه، مستخدمًا لسانًا فصيحًا يخلب الألباب ويستميل النفوس، وكيف كان يكشفه في كل مرة .

وانطلاقًا من الأدب العربي شعرًا ونثرًا؛ أسّس بديع الزمان الهمذاني لونًا أدبيًا جديدًا يجمع بين الاثنين، فيعكس ذلك رجاحة عقله، وثبات حبره. وسلك طريقه العديد من الكتّاب بعده، أبرزهم الحريري الذي ألّف “مقامات الحريري”، فاستمر هذا الفن وازدهر عبر العصور، جامعًا بين الإبداع اللغوي والابتداع الأسلوبي والفكري .

وتتميّز المقامة بأسلوبها اللغوي الرصين، وإن شابه بعض التكلّف البلاغي، كما تمتزج فيها عناصر النثر والشعر. ومن زاوية أخرى، تُبرز المقامة قدرة المؤلف وتمكّنه من اللغة العربية، إذ يستخدم الألفاظ الجزلة، ويُدخل فيها الشعر العربي الموزون .

حظيَت المقامة بشهرة واسعة بين العرب من بعد الهمذاني، فأقبل الكتّاب إلى التأليف فيها بأساليب إبداعية منوعة، فتعددت الأغراض، حيث لم تقتصر على الكدية والتسول بل أصبحت توظّف الرثاء والمدح، والتأملات الفلسفية والفكرية، وبرزت مقامات الزهاد والعباد، التي تُفرد بطابعها الوعظي القائم على الترغيب والترهيب، وتتميّز بأسلوب لغوي متكلّف وبلاغي .

إن المقامة في قالبها الأدبي الساحر، تخفي بين سطورها أوجاع المجتمع وأحلامه، وتظهرها بذكاء اللغة ومكر الشخصية، ولعل التداخل بين الشعر والنثر، وطرح الحكاية بطرافة، جعلها أقرب إلى أذهان النّاس وأكثر انتشارًا، وهي بذلك تمثل دليلًا على قدرة العرب على تطويع اللغة لخدمة الفن والفكر وتحفيز العقل على تأمل الواقع واستيعاب مفارقه .

مثال:-

المقامة الأزاذية

حدثنا عيسى ابن هشام قال :

كنت ببغذاذ وقت الأزاذ (نوع من التمر). فخرجت أعتام من أنواعه لإبتياعه، فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أصناف الفواكه وصنّفها، وجمع أنواع الرطب وصففها، فقبضت من كل شيء أحسنه، وقرضت من كل نوع أجوده، فحين جمعت حواشي الإزار على تلك الأوزار، أخذت عيناي رجلًا قد لفّ رأسه ببرقع حياء. ونصب جسده وبسط يده واحتضن عياله وتأبط أطفاله، وهو يقول بصوتٍ يدفع الضعف في صدره والحرضَ في ظهره :

ويلي على كفّيْن من سَويق.
أو قـصـعـةٍ تُـملأُ من خِـرديـق
يـقيمنا عن مـنهج الطـريق..
سهِّـل على كـفِّ فتًى لبيق
يـهدي إلينا قـدم التوفيـق….

أو شحمة تُضرب بـالـدقيق
يفثـأُ عنّـا سـطـواتِ الـرّيـق
يا رازق الـثـروة بـعد الـضّـيـق
ذي نسب في مجده عريق
ينـقذ عيشي من يد الـتّرنيق

قال عيسى بن هشام : فأخذت من الكيس أخذةً وصلته إياها فقال :

يا مـن عـنـاني بـجميل بـره…..
واستحفظ الله جميل ستره

أفض إلى الله بحسن سـره
إن كان لا طاقة لي بشكره

فـالله ربـي مِـن وراء أجـره

فقلتُ له : إن في الكيس فضلًا فأبرز لي عن باطنك أخرجُ إليك عن آخره، فأماط لثامه فإذا والله شيخُنا أبو الفتح الإسكندري، فقلتُ : ويحك أي داهية أنت ؟ فقال :

فقضِّ العمرَ تشبيها
أرى الأيـام لا تـبقى…..
فـيـومًـا شـرُّها فـيّ……

على النّاس وتمويها
على حـال فأحـكيها
ويـومًا شرّتـي فـيـها


 المراجع :

ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي بن أحمد أبو الفضل، لسان العرب، دار المعارف، ص 3781.

عبدالملك مرتاض، فن المقامات في الأدب العربي.