مدرسة الجنيد الإسلامية في سنغافورة: أقدم صرح تعليمي صامد كعمود للإسلام في جنوب شرق آسيا

مدرسة الجنيد الإسلامية مؤسسة تعليمية إسلامية تقع بجوار مقبرة جالان كوبور التاريخية. وهي ثاني أقدم مدرسة إسلامية في سنغافورة


تُمثل مدرسة الجنيد الإسلامية (Madrasah Aljunied Al-Islamiah) صرحًا تعليميًا تاريخيًا وواحدًا من أعرق المؤسسات الإسلامية في سنغافورة ومنطقة جنوب شرق آسيا. منذ تأسيسها عام 1927م، رسخت المدرسة مكانتها كمنارة للعلم الشرعي واللغة العربية، وهي اليوم من بين المدارس الإسلامية الست الخاصة والرائدة والأقدم في البلاد .
على مدى ما يقرب من قرن، حافظت مدرسة الجنيد على جودتها المرموقة بتقديم مناهج متوازنة وعالية المستوى، تجمع بين الأصالة التربوية الإسلامية وأحدث الأساليب التعليمية المعاصرة. وبفضل هذا التميز، أصبحت المدرسة مركزًا حيويًا ورائدًا لإعداد الدعاة والعلماء المؤهلين. وتفخر مدرسة الجنيد بتخريج نخبة من القادة الدينيين البارزين، حيث يشغل خريجوها مناصب أئمة ومدرسي دين مؤثرين في سنغافورة وجنوب شرق آسيا . وبوصفها من أكبر المدارس الإسلامية، تحظى مدرسة الجنيد بإقبال مجتمعي كبير جدًا، يعكس الثقة في رسالتها التعليمية الشاملة وحِرصها على نشر المعرفة الدينية والعربية والثقافية وفق أحدث النظم التربوية .

تأسيس المدرسة وتطورها على مر السنين

تقع مدرسة الجنيد بجوار مقبرة جالان كوبور التاريخية. وهي ثاني أقدم مدرسة إسلامية في سنغافورة بعد مدرسة السقاف. تأسست عام 1927 على يد فاعل الخير السيد عبد الرحمن بن جنيد بن عمر بن علي الجنيد، بوقف نقدي من جده السيد عمر بن علي الجنيد، مؤسِّس مؤسسة الجنيد الوقفية .

بُني المبنى الأصلي للمدرسة، المكون من طابقين، على قطعة أرض مساحتها 4.4 هكتار (11 فدانًا). أما المبنى الجديد، فيقع على مساحة 0.52 هكتار فقط .

وقد رأى مؤسس مدرسة الجنيد، السيد عبد الرحمن الجنيد، أن السيد أبا بكر بن طه هو الأنسب لمنصب مدير المدرسة. وافق أبو بكر على ذلك بشرطين : أن تكون اللغة العربية لغة التدريس، وأن يكون نظامها التعليمي ومنهجها التربوي عصريين . وقد لاقت شروط السيد أبي بكر استحسانًا كبيرًا، وأدار المدرسة بصفته مديرًا لها من عام 1927 إلى عام 1955 بانضباط صارم .

على مر السنين، بنى السيد أبوبكر سمعة المدرسة كمؤسسة تعليمية إسلامية رائدة في جنوب شرق آسيا، وقد قام بزرع الإخلاص في تلك المدرسة المباركة، وتوافد عليها طلاب من جميع أنحاء المنطقة ليتابعوا دراستهم، وحتى ييسر عليهم ، سمح باستخدام جزء من منزله في طريق جافا كسكن مجاني لهؤلاء الطلاب، الذين تلقوا أيضاً تعليماً مجانياً في المدرسة .

وقد اتخذت مدرسة الجنيد العديد من الفعاليات، بالإضافة إلى دور المعلمين المخلصين والمناهج المتطورة التي تجعل مدرسة الجنيد من الرواد في مجال التعليم الإسلامي في سنغافورة .

وفي سبيل تطوير المدرسة، تم هدم المبنى المكون من طابقين في موقعها الأصلي في شارع فكتوريا لإفساح المجال للمبنى الجديد، حيث بلغت تكلفة البناء 12 مليون دولار سنغافوري، وبلغت التكلفة الإجمالية 15 مليون دولار سنغافوري .

وفي عام 1927م، افتتحت المدرسة، وقبلت في بداية افتتاحها عشرة طلاب. وبعد مرور أكثر من 80 عامًا، تزايد عدد الملتحقين بها إلى قرابة 1000 طالب، بل أكثر من ذلك، ومع المباني الجديدة يمكن استيعاب 1200 طالب وطالبة .

إذ يبلغ عدد تلاميذها اليوم حوالي 1300 طالب، موزعين بين المراحل الابتدائية والثانوية والعالية. ولقد حرص القائمون عليها على العمل الدؤوب لإضفاء روح التقدم والرقي في أدائها، فاستقدموا لها العلماء الموثوق بهم وبعلمهم من خريجي الأزهر الشريف والكليات والمعاهد الإسلامية الأخرى للتدريس فيها .

وعلى مر السنين، جذبت مدرسة الجنيد كثيرًا من الطلاب السنغافوريين والطلاب من الدول المجاورة، مثل ماليزيا وإندونيسيا وبروناي دار السلام. وقد انعقدت الدورة الخاصة بالدعاة الإسلاميين باسم “قسم التخصص في الوعظ والإرشاد”، واستهدفت هذه الدورة طلاب مرحلة ما بعد الدراسة، وكانت تحت إشراف الشيخ عبد الرحيم إبراهيم السمنودي من جمهورية مصر. وانطلاقًا من هذه الدورة، أُنشئت الفترة المسائية للدراسة الإسلامية بعدها بسنتين، وهي مخصصة للطلاب الذين يدرسون في المدارس الحكومية في الصباح .

في عام 1941م، بدأ مشروع إعادة بناء المباني لإضافة المزيد من الفصول الدراسية، وفي الوقت نفسه شهدت الحرب العالمية الثانية عودة العديد من الطلاب والمعلمين إلى أوطانهم المختلفة. وتغير اسم المدرسة إلى دار العلوم الدينية الجنيدية، وأُعيد اسمها إلى الاسم الأصلي عند استئناف السلام في عام 1945م .

تميُّز مناهجها وتطورها

شهدت الستينيات الميلادية إدخال موضوعات جديدة في المناهج الدراسية، بما في ذلك اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، والجغرافيا، والتاريخ، ولغة الملايو، ومع ذلك، فإن ما سُمِّيَ “عَلْمَنَة المدارس” لم يؤثر في تدريس العلوم الدينية واللغة العربية، والتي كانت السبب الرئيس وراء إرسال الآباء أطفالهم إلى مدرسة الجنيد الدينية .

إنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية في مدرسة الجنيد، ويُعاقَب المتكلمون بغيرها من قِبَل مسؤولي المدرسة، ولذا تُعَدُّ مدرسة الجنيد المؤسسة الدينية الرائدة في تمكُّن طلبتها من التحدث باللغة العربية بطلاقة .

وعلى مر السنين، تخرج العديد من الطلاب وواصلوا الدراسة في التعليم العالي في الجامعات الإسلامية في مختلف البلدان، وقد وضعت مدرسة الجنيد هدفها الرئيس، وهو تطوير تفكير علماء المسلمين ليكون لديهم المرونة الكافية التي تمكنهم من التكيف ومواكبة التغيرات التي طرأت على العالم الحديث دون المساس بالقيم الإسلامية لديهم .

لذا تعتمد المدرسة نظامًا دراسيًا مزدوجًا يوازن بين المواد الدينية وغير الدينية، ويهدف هذا النظام إلى التركيز على المواد الإسلامية. وبالنسبة لهذه المواد، تستخدم المدرسة منهجًا مختلفًا عن منهج الأزهر الشريف، ولكنه يضمن لطلابها الاعتماد والدخول المباشر إلى جامعة الأزهر .

ويحصل الطلاب على مؤهلات معترف بها من وزارة التعليم. ويلتحق الطلاب إما بالمسار “السريع” (أربع سنوات) حيث يتقدمون لاختبارات المستوى “O” في الصف الرابع الثانوي، أو بالمسار “العادي” (الأكاديمي) (خمس سنوات) ويتقدمون لنفس الاختبارا. وتُعدّ المدرسة أيضًا مدرسة عالمية تابعة لبرنامج البكالوريا الدولية، حيث تقدم برنامج دبلومة البكالوريا الدولية لطلابها .

خريجون بارزون

  • نذير الدين محمد ناصر، مفتي سنغافورة الحالي .
  • سيد عيسى محمد سميط، مفتي سنغافورة السابق .
  • سليم جسمان، رئيس المحكمة الشرعية الأسبق .
  • يحيى إبراهيم، نائب وزير الشؤون الدينية في بروناي وحائز على جائزة SEA Write عام 1987 .
  • زين سر الدين، وزير الشؤون الدينية في بروناي وأول بروناي يتخرج من جامعة الأزهر المرموقة عام 1963 .
  • بنجيران محمد عبد الرحمن، وزير الشؤون الدينية في بروناي .
  • بينجيران بهروم، نائب وزير التعليم والشؤون الدينية في بروناي .
  • محمود سعيدون، عالم مسلم بروني .
  • يوسف إسماعيل، نائب وزير التعليم في بروناي .
  • حسن أزهري، مربي وباحث مسلم ماليزي .

مدرسة الجنيد الإسلامية هي إحدى المؤسسات التربوية الرائدة والمتميزة في سنغافورة؛ لمساهمتها الجليلة في تطور وتنمية الأقليات المسلمة في مجالات عديدة، خاصة في مجال التربية والتعليم. وتنهج منهجًا متكاملًا في تعليم طلابها، يدمج المواد الإسلامية والعلوم، بالإضافة إلى الأنشطة اللاصفية التي تستهدف تنشئة الطلاب تنشئة فعالة. وتستمر المدرسة في تحديث وتطوير مناهجها الدراسية بأحدث التقنيات والأساليب التعليمية، وتطوير الموارد البشرية التي هي قوام نجاحها .

مواجهة المدرسة للتحديات

تواجه مدرسة الجنيد الإسلامية العديد من التحديات من النواحي الاقتصادية والسياسية والبشرية. ورغم تلك التحديات، ما تزال المدرسة قائمة وتقاوم وتستمر في نموها الإيجابي لخدمة المسلمين في سنغافورة والبلاد المجاورة. ويواجه مسلمو سنغافورة تحديات مماثلة لتلك التي تواجهها غالبية الأقليات المسلمة في العالم، ولكن هناك دفاعًا ومقاومة قوية من قبل المجتمع المسلم؛ للتصدي لمحاولات طمس هويتهم الإسلامية .

على مدى ما يقرب من مئة عام، قامت مدرسة الجنيد بتنشئة الأجيال على العلم والأدب والإيمان، راسخةً في التقاليد ومُلهمةً بالسعي إلى التميّز . لتظل مدرسة الجنيد الإسلامية منارةً للتميز، ومخرجةً لعلماء المستقبل الذين يتحلّون بالقيم الإسلامية ويُقدِّمون أثرًا إيجابيًا في المجتمع .


المراجع :

  1. ويكيبيديا. “مدرسة الجنيد الإسلامية.” 
  2. زركشي، عزمي. دور مدرسة الجنيد الإسلامية في تعليم الأقليات المسلمة بسنغافورة. بحث مقدم في مادة التربية والتعليم للأقليات المسلمة .