مدينة شبام حضرموت
في قلب وادي حضرموت، وعلى نتوء صخري يعلو مجرى الوادي بمئات الأمتار، تقف مدينة شبام شامخة كإحدى أقدم مدن المنطقة وأكثرها تفردًا. يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السادس عشر الميلادي، حيث بُنيت لتحل محل مستوطنة سابقة دمرها فيضان مدمر عامي 1532م و 1533م، ومنذ ذلك الحين، تحولت إلى مركزًا تجاريًا في وادي حضرموت وملتقىً للقوافل التجارية، إذ تقع على طريق التجارة في شبه الجزيرة العربية .
ولعل أكثر ما يلفت الأنظار في شبام هو طرازها المعماري الفريد الذي جعلها تُلقب بـ”مانهاتن الصحراء”؛ كما تُعرف أيضًا باسم “الصفراء” نسبةً للون مبانيها الطينية، و “أم القصور العوالي” . إذ تحتوي على ما يُعد أقدم ناطحات سحاب في العالم، مبنية بالكامل من الطين. ترتفع منازلها المبنية باللبن إلى ما بين 30 و 40 مترًا، موزعة على 5 إلى 16 طابقًا، ذات الشوارع الضيقة المتعرجة داخل سور دفاعي كبير بُني على الطراز التقليدي .
أشار مؤرخ اليمن أبو محمد الحسن الهمداني في كتابه “صفة جزيرة العرب” إلى أقدمية بناء شبام، العائد إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأنها أول بلاد حمير .

تضم المدينة نحو 500 منزل طيني، شيّدت معظمها قبيلة حضرموت التاريخية، وعمّرتها لاحقًا قبيلة كندة، ولا تزال هذه المباني قائمة حتى اليوم، رغم مرور قرون. وتتسم بخصائص إنشائية ذكية؛ فجدرانها السفلية عريضة (تتراوح بين متر ونصف ومترين)، وتضيق تدريجيًا كلما ارتفعت الطوابق، مما يمنحها التوازن المطلوب. كما تُطلى الطبقات العليا بالجير الأبيض، لحمايتها من أشعة الشمس والرطوبة .
أما عن طوابقها الشامخة، فقد كان كل طابق منها يؤدي وظيفة محدَّدة، فتخزين الحبوب والأغذية الأساسية يتم في الطوابق الأرضية، التي يتم توفير مجال للتهوية لئلَّا تفسد المواد المخزنة فيها، في حين يتم إسكان الأغنام والماعز في الغرف المجاورة في الطابق الأول ليلًا .
أما الطابقان الثاني والثالث فبهما غرف متعددة لساكنيها من الرجال، يطلق عليها “الخدور”، في حين يخصص الطابقان الرابع والخامس خدورًا للنساء، إلى جانب المطابخ ودورات المياه، ويخصص الطابقان السادس والعلوي للأطفال والمتزوجين حديثًا في الأسرة الممتدة (الأسرة الممتدة هي الأسرة التي تمتد خارج نواة الأسرة الأساس، وتتكون من أهلية الزوج والزوجة كالأعمام والأخوال والأجداد).
تحتضن شبام أكثر من ثلاثين مسجدًا، أبرزها جامع شبام، الذي تعود أصوله إلى عهد الصحابة في السنة الثامنة للهجرة، وقد جُدّد مرات عدة، أبرزها في عام 215هـ على يد كندة، ثم في عهد هارون الرشيد، الذي أمر عامله في شبام بهدم الجامع وإعادة بنائه وتوسعته وأوقف له أراضي شاسعة على طول أراضي حضرموت وبذلك نسب المسجد لهارون الرشيد .
وفي سنة 643 هجرية بأمر من الملك المنصور عمر بن علي بن رسول أول ملوك الدولة الرسولية قام السلطان عبدالرحمن بن راشد الدغار بعمارته وعمل منبرًا خشبيًا وأهداه لجامع هارون الرشيد في شبام، ويعد أقدم منبر خطابة باق في مساجد وجوامع اليمن . كما يُذكر مسجد الخوقة كموقع شهد أحداثًا سياسية مهمة تتعلق بتاريخ كندة في شبام .
أما من الناحية الدفاعية، فقد أُحيطت شبام بسور ضخم فيه “سدة” (بوابة) من الخشب الأحمر القوي، خضعت لترميمات متكررة، وعلى مرتفعات المدينة، يبرز حصن شبام، الذي شيّدته كندة وكان مقرًا لحكام بني السكون .
وقد أدركت منظمة اليونسكو قيمة هذه المدينة المعمارية والثقافية الفريدة، فأدرجتها عام 1982 ضمن قائمة التراث العالمي، ومنذ ذلك الحين نُفّذت مشاريع عديدة للحفاظ على طابعها الطيني ومكانتها في الذاكرة المعمارية الإنسانية .
المرجع :









