يعد المعلم حلقة الوصل بين المعلومة والطالب، حيث أنه يؤدي الدور الأكبر في العملية التعليمية، فهو المحرّك الأول لعجلة المعرفة وصانع الأثر في عقول طلابه وقلوبهم. ومن بين المعلمين من يتجاوز حدود الأداء الوظيفي إلى مستوى التميّز الحقيقي في أساليب التدريس والتفاعل التربوي، والمعلّم الحقّ هو الذي يسابق عصره في المعارف وصنع الدهشة عند الطلاب، فهذا هو حال المعلم السيّد عبد الله محفوظ الحدّاد الذي أبدع في طرق تدريس النحو والصرف وسبق عصره في الوصول إلى أفكار لم يصل إليها علماء الغرب في العلوم اللغوية واللسانية إلا في الزمن المعاصر .
فيما يلي نصُّ المقال منقولًا عن الكاتب سعيد البطاطي، حول طريقة السيّد عبد الله محفوظ الحدّاد في تدريس النحو والصرف ..
طريقة الحدّاد
” السيّد عبد الله محفوظ الحدّاد أستاذي، وأستاذ طائفة كبيرة من التدريسيّين، في قسم اللغة العربيّة بآداب حضرموت، ونحن جميعنا نفخر بهذه الأستاذيّة الغاليّة الحبيبة المباركة ونشرف بها، ونضعها قلادة زاهية في أعناقنا، وتاجًا ثمينًا على رؤوسنا .
أودّ – هنا – أن أتحدّث عن الشيخ بوصفه أستاذًا جامعيّا كان يدرّس النحو والصرف في قسم اللغة العربية بتربية عدن التي آلت إلى آداب حضرموت وعلومها وتربيتها العاليّة .
من المعلوم أنّ الشيخ- رحمه الله – كان قد درس الدراسة الأكاديميّة في علوم الشريعة، أمّا علوم اللغة فأخذها عن الشيوخ في الأربطة والمدارس الدينيّة .
وكانت الطريقة المألوفة في هذه المدارس وتلك الأربطة، في علوم اللغة وغيرها من العلوم، أن يُعْتَمَدَ في كلّ علم يُدَرّس فيها، كتابٌ أو كتب من الكتب القديمة ؛ لثبوتها إلى مؤلِّفيها بالسند المعتدّ به .
وحين تسنّم الشيخ الحدّاد تدريس النحو والصرف في كليّة التربية بالمكلا، كان المتوقّع من مثله – وقد أخذ النحو والصرف عن شيوخه بتلك الطريقة – أن يدرّس كتابًا من كتب النحو والصرف المعهود تدريسها في الأربطة والمدارس الدينيّة، كابن عقيل، أو الأشموني، أو شرح القطر، أو شرح الشذور، أو أوضح المسالك، ونحوها، غير أنّه أقرّ على طلاّبه كتابًا جامعيًّا معروفًا، هو كتاب (في علم النحو) للدكتور أمين علي السيّد .
وتجعلني هذه المفارقة أزعم أنّ الشيخ صاحب نزعة تيسيريّة، عصريّة، جادة، في تدريس النحو والصرف، وأنّه كان على وعي معرفيّ تام بالشائعة القائلة :
إنّ درس النحو والصرف في المدوّنات السائدة، يصعب فهمه، ويتعسّر درسه وتدريسه، حتى قامت طائفة من الميسّرين المعسّرين، يقودها إبراهيم مصطفى، بالثورة على تقاليد الدرس النحويّ الصرفيّ كما هو معروض في مدوّناته السائدة، لكنّ هذه الثورة غير الواعية بالأبعاد المنهجيّة والمعرفيّة للدرس اللغويّ القديم، كانت قد فشلت في هدم الأصول والتقاليد، وعجزت عن الإتيان بالبديل المعرفيّ الجديد .
وفي المقابل كانت هناك طائفة من اللغويّين المعاصرين، على وعي معرفيّ تامّ بالمنهجيّة التي صيغ في ضوئها درس النحو والصرف القديم، بأصوله وأسسه ومبادئه النظريّة والمعرفيّة، التي أنتجت تلك الصياغة، ورأت هذه الطائفة الميسّرة تيسيرًا واعيًا، أنّ ذلك الدرس، من جهة المنهجيّة والأصول المعرفيّة، والمبادئ العامّة، وما نتج عنها من قواعد وأحكام، مازال – في كثير من أحواله – صالحًا لمواكبة العصر، يسيرًا على الفهم والإفهام، مقبولًا درسًا وتدريسًا، ورأت أنّ وهم عسره وصعوبته وهم مفتعل في كثير من جوانبه ودعاويه، وأنّ المأتى الذي يتأتّى منه قليل العسر، وبعض الصعوبة، لا يرجع إلى تلك الجهة المنهجيّة، المعرفيّة، المبدئيّة، بل يرجع إلى شيء يتّصل بعبارة النحويّين السابقين، المألوفة في عصرهم، الأقل ألفة في عصرنا هذا، فأخذت هذه الطائفة الميسّرة بوعي، وبدون ثورة، أخذت تعيد كتابة الدرس النحويّ والصرفيّ القديم، بعبارة عصريّة مألوفة، حافظت على الأبعاد المنهجيّة والمعرفيّة، لهذا الدرس، وأظهرته في ثوب جديد مألوف، ييسّر درسه وتدريسه، ويسهّل فهمه وإفهامه؛ كما نعهده عند الشيخ مصطفى الغلاييني، في (جامع الدروس العربيّة)، والشيخ أحمد الهاشميّ في (القواعد الأساسيّة للغة العربيّة)، وعند الأستاذ عباس حسن في (النحو الوافي)، وكما هو معهود في كتاب الدكتور أمين علي السيّد (في علم النحو)، الذي ارتضاه السيّد الحدّاد منهجًا لطلاّبه في الجامعة، والذي ذكر الدكتور تمّام حسّان في تقديمه له أنّه جاء في هدي “فكرة تيسير طريق النحو بالنسبة لطلاّب كليّة دار العلوم” ، فجاء الكتاب “ميسّر العبارة، قريب المأخذ، أتى بالأمثلة المناسبة، وساق الشواهد على القاعدة، في صورة تجعل القراءة سهلة، والفهم مواتيا، كل ذلك من خلال لغة واضحة غير مغرقة في المناقشات الفرعيّة، وفي مسائل الخلاف بين النحاة” .
أقول : إنّ اختيار الشيخ الحدّاد، لهذا الكتاب، يصدّق ما زعمناه من أنّه صاحب نزعة تيسيريّة عصريّة جادّة، في تدريس النحو والصرف، نزعة تيسّر ولا تعسّر، تبني ولا تهدم، نزعة تجمع بين الأصالة والتجديد في إحكام وتوافق، وهي الغاية التي ألّف من أجلها ذلك الكتاب المختار، بشهادة الدكتور تمّام حسّان نفسه، فاختيار الشيخ الحدّاد لهذا الكتاب منطو على هذه الغاية هادف إليها، وإلاّ لما وقع اختياره على هذا الكتاب؛ إذ قد درس النحو والصرف على طريقة المشايخ، وكان حرًّا في اختيار الكتاب الذي يريد تدريسه، فالجامعة في ذلك الحين، لا تفرض على الأستاذ كتابًا معيّنا، وله ألاّ يختارَ كتابًا بعينه، ويكتفي بمسرد من المراجع، فالجامعة في ذلك الحين، لا تلزم الأستاذ بكتاب واحد .
هذا فيما يخصّ المدوّنة التي ارتضاها السيّد الحداد، منهجًا لطلاّبه في الجامعة، أمّا عن طريقته في تدريس هذه المدوّنة، فقد كان الشيخ يأتي إلى قاعة الدرس، ويجلس على كرسيّه، ويقرأ من المدوّنة، بصوته الذي أكاد أسمعه واضحًا، فصيحًا، جميلًا، خاشعًا، ثمّ يعلّق على ما قرأه، بالشرح والمناقشة .
وقد تبدو هذه الطريقة تقليديّة، قديمة، وأنا أزعم أنّها طريقة حداثيّة، على نحو ممّا تفهم الحداثة في الأدبيّات اللسانيّة المعاصرة؛ ذلك أنّ اعتماد المدوّنات والنصوص المقروءة، كان منهجًا سائدًا في فقه اللغة الغربي (الفيلولوجيا)، حتّى جاء سوسير، وانتقص من هذا المنهج؛ لعجزه عن وصف اللغة وصفًا آنيّا، ومع هذا ظلّ هذا المنهج هو المهيمن على الدراسات اللغويّة المقارنة، غير مهيمن على الدراسات اللغويّة الوصفيّة، حتّى تطوّرت الدراسات اللغويّة البنيويّة على يد تشومسكي، تطوّرًا هائلًا، حوّل مركز الاهتمام فيها، من اللغة المجسّدة، إلى اللغة المذوّتة (المبنيّة داخليّا)، فلم يبق وصف البنى المجسّدة، والأشكال الظاهرة منهجًا ملائمًا لدراسة اللغة المذوّتة، بل اقتضى الأمر منهجًا معرفيّا، يفسّر اللغة، بوصفها حالًا من حالات الذهن، أو بنية معرفيّة ذهنيّة جاهزة في حالها الأوّليّة، قابلة للتحفيز لكي تصل إلى أقصى حالاتها الاستثنائيّة، وليست حالا جسديّة مكتسبة من الخارج .
ولا أظنّ قراءة المدوّنة (المعرفة)، قراءة مغلقة، تنظر إلى المدوّنة على أنّها بنية معرفيّة جاهزة، فتقوم بمقاربة نصوصها من الداخل، واستنطاق محتوى المدوّنة من المدوّنة نفسها، وقد تنتقل منها إلى غيرها (من الداخل إلى الخارج)، لا من غيرها إليها (من الخارج إلى الداخل) كما هي الدراسات اللغوية اللسانية الحديثة .
وختم الكاتب كلامه بقوله ..
تلك هي القراءة التي كان يفعلها الشيخ؛ لا أظنّها بالأمر البعيد عن المقاربات التشومسكيّة لمفهوم اللغة المذوّتة بما قدّمت أزعم أنّ منهج شيخي عصريّ في تدريسه للنحو والصرف، حداثيّ في طريقة تقديمه .
المراجع :
منقول للكاتب / سعيد البطاطي








