التأسيس والنشأة
رباط تريم هو معهد علمي شامخ تأسس في حضرموت، ثمرة نهضة قادها مفتي الديار الحضرمية الحبيب عبد الرحمن بن محمد المشهور، أحد أبرز دعاة النهضة العلمية في زمانه. جاء تأسيسه لتوفير التعليم لطلبة العلم، خصوصًا الغرباء، فجمع بين التعليم والإيواء والتربية الروحية.
ساهم في جمع التبرعات لبنائه عدد من أهل الخير، منهم: عبد القادر بن أحمد الحداد، ومحمد بن سالم السري، وأحمد بن عبد الرحمن الجنيد، والشيخ محمد بن عمر عرفان رحمهم الله جميعًا. أما المشرف المباشر على البناء وإدارة شؤون الرباط فكان الحبيب عمر بن أحمد الشاطري، الذي ظل قائمًا عليه حتى وفاته سنة 1350هـ.
الريادة التعليمية ودوره العلمي
افتتح الرباط أبوابه رسميًا في 14 محرم 1305هـ، واستقبل منذ بدايته طلاب العلم، خصوصًا الغرباء الوافدين من خارج حضرموت.
وكان الحبيب عبد الرحمن بن محمد المشهور ومن في طبقته، ثم الحبيب علوي بن عبد الرحمن بن أبي بكر المشهور أول من تولوا التدريس فيه. وبعدهم تولى تلميذهم البارز الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري رئاسة التعليم قرابة خمسين عامًا (1314–1361هـ).
وفي عهده، أصبح الرباط مركز إشعاع علمي تخرّج منه آلاف العلماء من حضرموت واليمن والجزيرة العربية وإفريقيا والهند وشرق آسيا، حتى بلغ عدد الطلاب المسجلين فيه – عند وفاة الإمام الشاطري – ما يقارب ثلاثة عشر ألف طالب علم.
العلوم في رباط تريم
ركز الرباط على تدريس العلوم الشرعية التي تقوم بها الأمة، وفي مقدمتها:
- علم الفقه الشافعي : أساس العبادات والمعاملات.
- علم التصوف : تهذيب النفوس وتربية القلوب.
- علم النحو وعلوم العربية : لفهم القرآن والحديث.
إلى جانب علوم الآلة الأخرى بقدر الحاجة. وقد تميز بأنه لم يكن مدرسة مهنية أو دنيوية، بل مؤسسة شرعية خالصة هدفها تخريج العلماء والدعاة والمربين .
اعتناؤه بطلبة الرباط
صرف أغلب وقته في التدريس، حيث كان يبدأ من صلاة الفجر إلى ما بعد الإشراق، ثم يعقد جلسات خاصة للمتقدمين حتى الضحى، تليها دروس من الظهر إلى العصر، ثم يستأنف التدريس من المغرب حتى الساعة الثانية ليلاً، مع تخصيص وقت لحضور دروس مشائخه .
وقد تميز بشدة الحرص على أوقات الطلبة وحثهم على الاجتهاد، وضبط المسائل التي تتكرر، وحفظ المتون المفيدة، وكان كثير التفقد لهم، شديد الاهتمام بهم، عظيم الحرص عليهم من مجالسة من لا يليق بهم مجالسته .
شهادات العلماء في الرباط
حظي رباط تريم بثناء العلماء واعترافهم بمكانته العظيمة. قال الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري : “ما حصل هذا المظهر العظيم إلا بالتواضع وموت النفس”. وكتب الحبيب مصطفى المحضار : “رباط بني للعلم النبوي، السلفي العلوي… فمن قصده بالنية الصالحة أنارت له أنوار العلوم”.
وقال الشيخ حميد الحالمي : “أفضل معقل في الدنيا لتعلم الفقه الشافعي: رباط تريم، ولا يوجد ما يضاهيه”. كما تغنى به الشعراء، مثل الحبيب حسن بن عبد الله الشاطري يثني فيها قال :
هَذَا الْمَقَامُ وَهَذَا الْمَعْهَدُ الدِّيْنِيُّ..
هَذَا الرِّبَاطُ أَسَاسُ الْعِلْمِ لَيْسَ لَهُ
هَذَا حِمَى السَّلَفِ الْقَوْمِ الْمَيَامِيْنِ
شَكْلٌ وَلَوْ طُفْتَ فِي شَامٍ وَفِي الصِّيْنِ
أثر الرباط وانتشار علمه
لم يقتصر أثر رباط تريم على حضرموت وحدها، بل تجاوزه إلى العالم الإسلامي كله. فقد خرج منه علماء أسسوا رباطات ومعاهد في: عينات، الشحر، غيل باوزير، البيضاء، شرق إفريقيا، إندونيسيا، والهند. وقد شهد الحبيب مصطفى المحضار قائلاً: “وجدنا في كل بلاد علمًا من علم الشاطري منصوب، وفي كل رقبة خيط من علمه معصوب”.
ظل الرباط قائمًا يؤدي رسالته حتى أغلقته السلطات سنة 1401هـ، ثم أُعيد افتتاحه سنة 1412هـ ليستأنف مسيرته التعليمية والتربوية، ويواصل دوره كمنارة للعلم الشرعي في حضرموت والعالم .
تلامذته
- سيدنا الإمام الداعي إلى الله الحبيب علوي بن عبدالله ابن شهاب .
- وأولاده : محمد المهدي ، وأبو بكر ، وحسن .
- الحبيب العارف بالله جعفر بن أحمد العيدروس .
- الحبيب حسن بن إسماعيل الحامد ، مؤسس رباط عينات .
- الحبيب عبد الله بن عبد الرحمن ابن الشيخ أبي بكر بن سالم ، مؤسس رباط الشحر .
- السيد علي بن طاهر بن يحيى ، مؤسس المعهد الديني بغيل باوزير .
- الحبيب محمد بن عبد الله الهدار ، مؤسس رباط البيضاء باليمن .
- الحبيب العلامة محمد بن سالم بن حفيظ ، وقد ترجم لشيخه المذكور ترجمة مطولة ، سماها : ( نفح الطيب العاطري في مناقب الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري ) .
- الحبيب العلامة : عمر بن علوي الكاف .
- الشيخ العلامة محفوظ بن سالم بن عثمان ، الذي لازم التدريس في الرباط تريم نحو ستين عاماً تقريباً .
- الحبيب العلامة السيد أحمد بن عمر الشاطري مؤلف كتاب (الياقوت النفيس) ، بطلب من صاحب الترجمة . وغير هؤلاء كثير ممن يعسر عدهم وحصرهم رضي الله عنهم .
خاتمة
إن رباط تريم ليس مجرد مدرسة دينية، بل هو صرح حضاري وذاكرة روحية خرّج أجيالًا من العلماء والمرشدين الذين نشروا نور العلم والدين في أرجاء المعمورة. ولا يزال الرباط، رغم تقلبات الزمن، رمزًا للعلم الصافي والعمل الصالح .
المرجع :
كتاب نبذة مختصرة عن رباط تريم









