تُعد اللغة العربية محيطًا لغويًا عميقًا زاخرًا بالأسرار والخصائص المتفردة، وقد انبرى العلماء والأدباء على مر العصور لاستكشاف كنوزها. ومن بين هؤلاء الأعلام، يبرز الإمام أبو الفتح عثمان بن جني، الذي أبدع في مؤلفه القيِّم “الخصائص”، مسلطًا الضوء على جوانب عميقة من عبقرية هذه اللغة. ومن الأبواب بالغة الأهمية التي أفردها ابن جني في هذا السفر الجليل، بابٌ أسماه “شجاعة اللغة العربية”، وهو مفهوم محوري سنغوص في تفاصيله ضمن هذا المقال .
مفهوم الشجاعة اللغوية عند ابن جني
لعل ما يلفت الانتباه ويدعو إلى التأمل العميق هو وصف اللغة العربية بـ “الشجاعة”. هذا الوصف الذي أطلقه إمام اللغويين أبو الفتح عثمان بن جني في القرن الرابع الهجري، تجاوز حدود الزمان والمكان، وتلقفته الأجيال اللاحقة. لقد كان ابن جني سبَّاقًا في الدرس اللغوي، متميزًا برجاحة العقل ودقة الحس والتمكن اللغوي. ورغم وصفه للغة العربية بصفات متعددة، مثل قوله :
“وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والرقة ما يملك على جانب الفكر…”
إلا أنه أفرد لشجاعة العربية بابًا خاصًا في “الخصائص”، وأشار إليها في كتابه “المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات” .
إن عنوان “شجاعة العربية” يوحي بانتصار ابن جني للغة العربية، كما يدعو أبناء العربية ومحبيها إلى الالتفاف حولها والاصطفاف تحت لوائها، والافتخار بالانتساب إليها. وعندما نتحدث عن شجاعة اللغة العربية، قد يتبادر إلى الذهن معناها الحرفي من الإقدام والجرأة. وهذا هو المعنى الذي قصده ابن جني بالفعل، لكنه نقله إلى سياق لغوي بديع. فالشجاعة هنا تعني خروج اللغة عن مألوف قواعدها وضوابطها النحوية والصرفية والصوتية، وذلك لمقتضيات تفرضها طبيعة الخطاب والمعنى المراد.
فاللغة، في مفهومها الواسع، لا تقتصر على التراكيب الظاهرة فحسب، بل تمتد لتشمل أساليب تمنحها القدرة على كسر القيود ومخالفة الأصل، وذلك ببراعة وجمال .
لقد أشار ابن جني في هذا الباب إلى صور متعددة تجسد هذه الشجاعة اللغوية، وإن لم يستعرضها كلها ـ كما يتضح من قوله :
“اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى، والتحريف”
في دعوة إلى إمعان النظر وحث على استمرار البحث للوقوف على ما تظهره العربية من مظاهر متجددة للشجاعة عبر الأزمنة.
وفي باب “في شجاعة العربية” بصفة خاصة، دليل على وضوح تعدد روافد المعنى وأنه لا يقف عند المستوى المعجمي (المعنى اللغوي الوضعي للكلمات)، وأن الاستعمال له من الأهمية ما يجعله في المنزلة جنبًا إلى جنب مع القياس والسماع، إن لم يكن له اليد الطولى في العملية الكلامية بصفة عامة .
مظاهر الشجاعة في العربية
لقد تناول ابن جني في “الخصائص” عدة أساليب تبرز شجاعة اللغة العربية، نستعرض أبرزها :
1. الحذف : اقتصاد في التعبير وذكاء في الإشارة
يعالج ابن جني الحذف باعتباره ضربًا من الاتساع، وهو ما يُعرف بـ”الإيجاز”، حيث تميل العربية إلى تكثيف المعنى وتقليص الألفاظ، إيمانًا بذكاء المتلقي الذي يكفيه الإشارة والرمز للفهم. يشمل الحذف عند ابن جني حذف الجملة والمفرد والحرف، وحتى الحركة. ويعتمد في معالجته على التأويل اللغوي، ولا يُحذف شيء من ذلك إلا إذا دل دليل على المحذوف (مفترضًا وجود نص آخر خفي وراء النص المكتوب)، وهذا يكشف عن عمق فهمه لمرونة اللغة .
ونجد الحذف في كثير من تراكيب القرآن الكريم، كالحذف في نحو قوله تعالى : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. هنا لم يقل “واسأل أهل القرية“، بل حذف كلمة “أهل“. هذا الحذف ليس نقصًا، بل هو قمة في البلاغة والإيجاز؛ فالعقل البشري يدرك فورًا أن السؤال لا يكون للجمادات، بل لمن يعيش فيها. هذا الاختصار العميق هو دليل على ثقة اللغة بنفسها وقدرتها على إيصال المعنى بأقل جهد ممكن.
2. التقديم والتأخير : مرونة في التركيب ودلالة على المعنى
وهو على ضربين عند ابن جني :
- ما يقبله القياس : كتقديم المفعول به على الفاعل، وذلك لضوابط تحكم العلاقة التراتبية بينهما، مع الحفاظ على المعنى .
- ما يسهله الاضطرار : وهو ما يظهر جليًا في الشعر، حيث تسمح الضرورة الشعرية بتقديم وتأخير لا يأتلف مع القواعد الأصلية، لكنه يخدم الوزن أو القافية أو المعنى المقصود .
يستند ابن جني في التقديم والتأخير إلى إعادة تأويل المعطيات التركيبية التي خرجت عن القاعدة اللغوية بصورة افتراضية، للتأكد من مدى صحة هذه المعطيات، التي تبدو وكأنها متعارضة مع ما هو وارد في قواعد اللغة، وهو ما جعله يصف بعض الاستعمالات اللغوية بالقبيحة، لعلة عدم توافقها مع الصورة الافتراضية التي يبلورها للتأكد من صحة هذه الاستعمالات، التي تعارض القواعد المتعلقة بالجوانب اللغوية .
3. الحمل على المعنى : تجاوز اللفظ إلى جوهر الفكرة
ويعني هذا الأسلوب أن العرب كانوا يقدمون دلالة المعنى المقصود على الظاهر اللفظي للكلمة أو التركيب. بعبارة أخرى، قد يتجاوز المتكلم أو الكاتب القواعد النحوية أو الصرفية الصارمة المتعلقة باللفظ (مثل الإفراد والتثنية والجمع، أو التذكير والتأنيث) ليجعل التركيب يتوافق مع المعنى الكلي أو الحقيقي الذي يريد إيصاله، ما دام هذا المعنى واضحًا ومفهومًا للمتلقي، وهذا يعكس براعة اللغة العربية في تجاوز حرفية اللفظ لخدمة المعنى الأعمق والأوضح، مما يبرز غناها وقدرتها التعبيرية الفائقة .
من الأمثلة الواضحة على “الحمل على المعنى” في القرآن الكريم :
قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ (البقرة: 8)
وفي هذه الآية جاءت كلمة “مَنْ” التي تدل على المفرد، ولكن الضمير بعدها جاء بصيغة الجمع “هُمْ“. هذا التغيير من الإفراد إلى الجمع هو حمل على المعنى، حيث أن “مَنْ” هنا تعني “جماعة من الناس“.
4. التحريف : دينامية صوتية وصرفية
يُعنى التحريف بما يحدث من متغيرات صوتية وصرفية في الوحدات المعجمية، وذلك عبر إعادة تقليبها أو تركيبها. هذه الظاهرة تكشف عن دينامية اللغة العربية وقدرتها على توليد كلمات جديدة أو تغيير دلالات الكلمات الأصلية من خلال تغيير بسيط في ترتيب الحروف أو حذف بعضها. هذا التلاعب الصوتي والصرفي هو أحد مظاهر الشجاعة التي تضفي على اللغة غنىً وتنوعًا. وقد ذكر ابن جني أن التحريف يأتي في الاسم والفعل والحرف .
إن “شجاعة العربية”، كما تجلت في فكر ابن جني، ليست مجرد عنوان، بل هي شهادة خالدة على انتصار هذه اللغة العريقة. إنها دعوة للتأمل في عمق الفكر اللغوي العربي، وبرهان ساطع على قدرة العربية الفائقة على التعبير عن أدق المعاني بألوان بلاغية لا حصر لها. تتجاوز هذه اللغة الفذة حدود القواعد الجامدة، لتفتح آفاقًا رحبة من الجمال والدلالة، وتكشف عن مرونة لا متناهية تبهج الروح وتثري الفكر.
وفي هذا السياق، يقول ابن جني مؤكدًا على هذه الشجاعة اللغوية :
“متى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها، فاعلم أن ذلك ليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام، ووارد الحرب الضروس حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته .”
إن استيعاب هذه “الشجاعة” يمثل مفتاحًا ذهبيًا للباحثين وعشاق العربية، ليتذوقوا جوهرها الفريد ويقدروا قدرتها على التكيف والإبداع. إنه حافز يدعو كل من ينتمي لهذه اللغة العظيمة إلى احتضانها، والاعتزاز بها، والوقوف شامخًا تحت لوائها، مدركين أنهم جزء من إرث لغوي لا يضاهى .
المراجع :
كتاب الخصائص لابو الفتح عثمان ابن جني
(شجاعة العربية) عند ابن جني في ضوء علم اللغة البراجماتي ، د . الغزالي محمد حامد حسين









