نسبه ونشأته
عبد الرحمن بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي ابن الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم محمد بن علي ابن الإمام محمد صاحب مرباط ابن الإمام علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر ابن عيسى بن محمد النقيب ابن علي العريضي ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي وفاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين .
ولد بمدينة تريم بحضرموت سنة 739 هـ، وكانت نشأته منذ نعومة أظفاره وهو بين سماع القرآن وعلوم الشريعة في المنزل والمجالس والحلقات، فحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أحمد بن محمد الخطيب، وأتقن علوم القرآن والتجويد، وحقق جميع المتون الفقهية واللغوية، وكثر حرصه على الأعمال الصالحة مبكرًا، ولازم المطالعات والمراجعات و تحقيق العلوم، وخاصة في مجالس والده ومكتبة مربيه ومعلميه، فكانت مؤلفات العلوم كلها في حوزة والده وجملة من مشايخه، حتى قيل أنه كاد أن يحفظ «الوجيز» و «المهذب» لكثرة تردادهما ومطالعتهما وحضور مجالس تقريرهما .
أحواله وأعماله
برز الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد السقاف على كرسي الخلافة العلمية والعملية مبكرًا في مقتبل العمر، والتف عليه المريدون والمنتفعون، واستفادوا من معارفه وعلومه، فطار صيته في الآفاق ورحل إليه الطلبة من شتى الأصقاع، وحملت إليه الرسائل والفتاوى من مشرق الأرض ومغربها، فكان في كل أحواله وإجاباته ورسائله ومسائله سالكًا مسلك الجادة مبينًا ومفصلًا كل مادة عن مادة، وكان موهوب الذكاء قوي الحجة في تقرير مسائل العلم الدقيقة، ويحتشد الطلاب على تقريره في «الوسيط» و «البسيط» للإمام الغزالي، وفي شرحه «للمهذب» لأبي إسحاق و «المحرر» .
وكان يعتني بالجمع بين علمي الظاهر والباطن، ويحدو تلامذته ومريديه إلى الاهتمام بالعلم والعمل مع بذل الجهد في مراقبة المولى والإخلاص والصدق، ومما أملاه على تلاميذه قوله : (إن الأوقية من أعمال الباطن تعدل بهارًا من أعمال الظاهر) .
مجاهداته وسلوكه
ورد في كتب التراجم عن مجاهداته في أول سلوكه أنه بلغ الغاية في حفظ الأوقات، والتقلل من المباحات، وكثرة الصوم والعبادات، حتى إنّ ورده من آخر الليل في قراءة القرآن بلغ في صلاته بمقدار مصحفين كل يوم، حيث يخرج إلى شعب النعير للتهجد، ثم صار حاله فيما بعد يقرأ أربع ختمات بالنهار وأربعًا بالليل .
وهذا التفرد في سلوك الإمام الشيخ عبد الرحمن السقاف لا يصل عند حد التلاوة فقط بل ورد أنه كان في بداية أمره ميالًا إلى العزلة والبعد عن الناس، وقد يختار الذهاب إلى شعب نبي الله هود حاملًا كتبه وأوراده وقليلًا من الزاد، فيمكث من الزمان شهرًا أو زيادة وهذه الظاهرة التأملية كانت جزءًا لا يتجزأ من منهج التربية العلمية والعملية في مدرسة حضرموت لمن أراد طريق المجاهدة (والذين جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا).
وقد أثمرت هذه المجاهدات العالية في نفسية الشيخ التزامًا مسؤولًا بالواجبات والمندوبات، وأسست في داخل قلبه مرتبة لاتخاذ المواقف الإيمانية الجادة، حتى قيل : إن مجاهداته في العلم والعمل لم تنقص في مكيال العمل حتى ليلة زفافه، إذ قام على عادته متهجدًا متبتلًا شاكرًا مولاه على أنعمه .
زهده وأعماله في حضرموت
وكان يميل إلى العمل اليدوي والزراعة على عادة أهله وسلفه، وله نخل كثير غرسه في تريم والمسيلة وغيرها، وكان إذا غرس نخلة يقرأ عند غرسها سورة يس، أما في أرضه المسماة «باحبيشي» فكان بعد تمام كل غرسة يقرأ ختمة كاملة، ثم جعل ذلك صدقة على الموجودين من أولاده، على أن يقرءوا ويهللوا ويسبحوا الله كل ليلة بعدد معلوم، ثم يهبون ثواب ذلك إلى روحه بعد موته .
كان الشيخ عبدالرحمن السقاف على غاية قصوى من الزهد في الدنيا وعدم الالتفات إليها، فقد كان ينفق بسخاء على المحتاجين من الفقراء والمساكين، وبنى عشرة مساجد في أنحاء متفرقة من حضرموت، ووقف على كل مسجد ما يقوم بحقه من عقار وأرض .
سبب تسميته بالسقاف
أجمع أهل عصره على تسميته بالسقاف لما كان عليه من سمو الهمة وعلو المرتبة، حتى صار لأهل عصره سقفًا معنويًا، واختلفت رواية المؤرخين في سبب التسمية، فقيل : إنه سمي بذلك لإخفائه حقيقة حاله عن أهل زمانه، فكان كالمستور تحت سقف التواضع والخمول، حتى قيل : إنه لم يدع حالًا لنفسه ولم يطلب شهرة ولا مقامًا، وكان يكرهه أشد الكراهة، وقيل : إنه سمي بذلك لأنه سقف على أولياء زمانه بحاله فصار كالسقف المظلل لهم .
شيوخه
كان لعناية الشيوخ الأكابر أثر عظيم في حياته، فمنهم تشكلت فهومه ومعارفه، وعنهم تفتحت مواهبه واستعداداته، فقد ارتحل لطلب العلم إلى شبام ودوعن ووادي عمد والغيل وبروم وعدن، ثم عاد في آخر المطاف إلى تريم. ونذكر هنا بعض من أخذ عنهم وانتفع بهم من تريم وخارجها ..
والده الإمام محمد بن علي مولى الدويلة ، والعلامة محمد بن علوي بن الفقية المقدم ، والعلامة محمد بن سعيد باشكيل ، والشيخ محمد بن أبي بكر باعباد ، وغيرهم .
وفاته
لما تقدم العمر بالشيخ عبد الرحمن السقاف وأدركه الكبر والضعف عجز عما كان عليه من تلك المجاهدات التي بني عليها أول مرة؛ ولكنه ظل يبذل قصارى جهده فيما استطاع، حتى إنه اتخذ قارئًا يقرأ عليه القرآن وهو يستمع إليه، وربما قرأ معه مدارسة، وكان مع ذلك الضعف لا يدخل عليه وقت الصلاة إلا وهو في المسجد متطهرًا منتظرًا للجماعة، ولا ينفك عن مجالس المريدين والمترددين عليه للاستمداد وطلب الدعاء والتوجيه .
كما كان يرتب أولاده ووجهاء طريقته للقيام عنه بوظائف الأوقات ومجالس الدروس والحضرات، ويؤهلهم لحمل المسؤوليات، ويحرص كل الحرص على ترتيب قواعد السلوك بين المريدين، وحمل الشيوخ على حسن النظر والمراعاة مع الحزم والعزم .
وكان من مهماته في أخريات عمره الاشتغال بترسيخ قواعد الطريق لمدرسة حضرموت حتى ترسخ علمًا وعملًا وعادات وعبادات في نفوس الأتباع، وكان الشيخ عبد الرحمن السقاف يرغب في تفرد مدرسة حضرموت على ذات النمط الذي اختاره الفقيه المقدم والإمام المهاجر رضي الله عنهم أجمعين .
وظل رحمه الله مثابرًا على ما عاهد الله عليه حسب طاقاته واستعداداته حتى مَرِضَ مَرَضَ الموت وانتقل إلى عالم مولاه في يوم الخميس لسبع بقين من شهر شعبان سنة 819 هـ، وصعقت حضرموت بخبر وفاته، واضطربت أحوال الناس بفراقه، وتوالى المعزّون من أطراف الوادي وشيعت جنازته في موكب مهيب بين الدموع والدعاء، والحزن مخيم على الغناء وربوعها، ولسان الحال يخاطب الجميع : (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
ودفن رحمه الله في مقبرة زنبل بين أهله وأسلافه، وأقيمت على روحه ما اعتاده أهل حضرموت من القرآن والفواتح والتسابيح، ورثاه ولده الشيخ عمر المحضار فقال من قصيدة طويلة :
أَلا يا عينُ وَيُحَكِ لا تنامي..
على فَرَقِ الذي قد صار منه
وحُبُّه قد تمكن من فُؤادي.
أنوح أنا على فرقاه نوحًا….
فغاب النورُ مِنا واعتَلانا….
وبُثِي الدَّمْعَ وَاسْقِي كُلَّ ضَامِي
جميع الجسم باكٍ والعظام
ومَسْكَنُهُ قُلَيبِي باكتِتامي
يُشابِهُ نَوْحُهُ نَوحَ الحمام
بفُرقاه ظلامٌ كالقَتام
المرجع :
سلسلة أعلام حضرموت .. الإمام عبد الرحمن السقاف








