رباط العلم الشريف بسيئون: أول رباط علمي في حضرموت

رباط العلم الشريف بسيئون أسسه إبن مفتي مكة المكرمة في القرن الثالث عشر الهجري


يُعد رباط العلم الشريف بسيئون أول رباط علمي في حضرموت، وقد أُسس بعد عودة الإمام الحبيب علي بن محمد الحبشي من مكة المكرمة، حيث تلقى العلم عن والده مفتي مكة السيد الحبيب محمد بن حسين الحبشي، وعن غيره من علماء الحرمين. عاد الإمام إلى بلده حاملًا راية العلم الشريف، فبدأ ببناء الرباط، مستلهمًا فكرة إنشائه من الأروقة والأربطة في الحرم المكي الشريف.
وفي سنة 1315هـ بدأ الترميم الأول في عهد الإمام الحبشي، ثم جاء الترميم الأخير سنة 1433هـ في عهد الحبيب المنصب علي بن عبدالقادر الحبشي.

وإلى جوار الرباط أقام الإمام الحبشي مسجد الرياض الذي تأسس عام 1296هـ وبُني سنة 1303هـ، ليكون مركزًا للعلم والعبادة معًا. ويُعد المسجد من أقدم معالم مدينة سيئون، إذ حافظ على طرازه المعماري الإسلامي الأصيل رغم الترميمات المتعاقبة .

أقسام الرباط

في عهد الحبيب علي بن عبدالقادر الحبشي اتسعت نهضة الرباط وتنوّعت أدواره التعليمية والدعوية، فتوجّه إليه الطلاب من داخل اليمن وخارجها من الجنسيات الإندونيسية وماليزيا وتايلند وافريقيا والصومال وغيرها، لتلقي العلم .

ويتكون الرباط اليوم من عدة أقسام علمية وتعليمية :

  • قسم القرآن الكريم وعلومه.
  • المقرأة القرآنية ( مركز تلقي علم القراءات بالسند ).
  • قسم الشريعة .
  • قسم الساكنين بالرباط .
  • قسم المجالس الحديثية السنوية لتلقي قراءة كتب الصحاح والسنن .
  • قسم الخلوات السنوية : الخلوة القرآنية الفقهية في شهر رمضان، خلوة العشر من ذي الحجة.
  • قسم الندوات السنوية : ندوة الحج والحجاج، وندوة عن الصوم وأحكامه، الندوة السنوية لذكرى مفتي مكة المكرمة، ندوات لذكرى شيوخ المشيخة الكبرى ( الحبيب محمد بن علي الحبشي في شهر شوال، والحبيب عبدالقادر محمد بن علي الحبشي في شهر جماد الثاني قراءة جوانب من سيرته من كتب الأثبات والتراجم ومواعظه ومذاكراته )، ندوة أحكام الزكاة في شهر شعبان، ندوة المؤذنين وأئمة المساجد والخطباء على مستوى مدينة سيئون .

تعليم النساء والبنات

تم تفعيل نشاط فرع الرباط الخاص بتعليم النساء والبنات في مدرسة الداعية السيدة علوية بنت الحسين بن هادي الجفري، وتضم المدرسة قسمين :

  • قسم تعليم النساء الكبار والمتزوجات .
  • قسم تعليم الفتيات والصغيرات .

ويبلغ عدد الطالبات نحو 150 طالبة، ويتوزع المنهج فيها على قسمين رئيسيين :

  • القرآن الكريم وعلومه ( التهجي، التلاوة، الحفظ، التخصص، تلقي سند القراءات ).
  • الشريعة ( التفسير، الحديث، الفقه، النحو، علوم الآلة مثل المنطق ).

سيرة الإمام علي بن محمد الحبشي

هو علي بن محمد بن حسين بن عبد الله بن شيخ الحبشي، وينتهي نسبه الشريف إلى الإمام المهاجر أحمد بن عيسى من آل البيت النبوي. ولد في بلدة قسم بحضرموت يوم الجمعة 24 شوال 1259هـ، بينما كان والده مقيمًا بها لنشر الدعوة والتعليم. وعندما هاجر والده إلى الحجاز سنة 1266هـ، نشأ الإمام تحت رعاية والدته علوية بنت حسين بن أحمد الجفري، التي أخذ عنها مبادئ العلوم، ونص على تلمذته لها في كثير من إجازاته العلمية، وكان شديد البر بها، حتى قال : كنت إذا طالعت في سير السلف ورأيت أمرًا أعجبني قلت لوالدتي : استقبلي القبلة وارفعي يديك وادعي لي بهذا الدعاء وأنا أؤمّن على دعائك، فإن دعاء الوالدة لولدها مقبول، فاقول لها : قولي يارب أعطِ ولدي كذا وكذا، وأنا أؤمّن على دعائها .

قرأ القرآن على أحد مشايخ آل أبي قشير، ثم ارتحل مع والدته إلى سيئون سنة 1271هـ، حيث استقر بها وزار شيخ والده العلامة عبدالله بن حسين بن طاهر في المسيلة، وقرأ عليه في الفقه الشافعي، وألبسه وأجازه. وفي سنة 1276هـ سافر إلى الحجاز بطلب من والده ومكث قرابة عامين، أخذ خلالهما من علوم شتى، ثم عاد إلى سيئون .

شيوخه

أخذ عن والده وإخوته عبدالله وأحمد، وعن كبار علماء حضرموت مثل :

  • العلامة السيد عمر بن حسن الحداد .
  • شيخ والده العلامة السيد عبدالله بن حسين بن طاهر .
  • العلامة السيد عيدروس بن عمر الحبشي .
  • العلامة السيد محسن بن علوي السقاف .
  • العلامة السيد محمد بن إبراهيم بلفقيه .

وغيرهم الكثير ، كما تلقى العلم بمكة عن :

  • العلامة السيد أحمد زيني دحلان .
  • العلامة السيد فضل بن علوي بن سهل .
  • وتأثر بشيخه العارف بالله أبو بكر بن عبدالله العطاس .

ارتبط الحبيب علي بشيخه أبو بكر بن عبدالله العطاس ارتباطًا وثيقًا وتعلق به تعلقًا عظيمًا وشهده في كل أحواله وانطوى فيه، حتى صار يضرب المثل فيقال : شيخ كأبي بكر العطاس ومريد كعلي الحبشي وإلا فلا !!
وكان الشيخ العطاس يفتخر بتلميذه الحبشي ويشير إلى أفضليته وعلو قدره، وكما قيل : ليس المريد من يفتخر بشيخه إنما المريد من يفتخر به شيخه ! .

صلته بالحبيب الأعظم ﷺ

كان سيدنا الحبيب علي الحبشي معروفًا بمحبته العظيمة لجده الأعظم صلى الله عليه وسلم، وتعلقه الكبير به، والفناء فيه فكل مجالسه واجتماعاته يخيّم عليها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد كان للحبيب علي الحبشي من النبي صلى الله عليه وسلم المدد الوافر والرعاية والعناية والمحبة .

معي خير الخلق مفتاح نصرتي…..
ولا اختشي باسا وجاري وحارسي

آمنت به من كل ما احذره
حبيبي وهل اخشى وداري مسوره

وقوله :

جادت سليما بالوصال تكرما

فسرى السرور إلى الفواد وخيما

نشاطه العلمي

عندما عاد إلى حضرموت اتخذ مسجد حنبل بسيئون مقرًا لتدريس العلوم في بداية ظهوره وقد تميز بنشره علم النحو، ثم أسس رباط العلم الشريف ملاصقًا لمسجده مسجد الرياض عام 1295هـ. ومع اتساع شهرته، توافدت عليه الوفود، وامتلأ الرباط بالطلبة، وصار مسجد الرياض ملتقىً للعبادة والعلم ومجالس الحديث والذكر والسيرة .

تلاميذه

تخرّج على يديه عدد كبير من العلماء والدعاة الذين نشروا العلم في حضرموت وخارجها .

مؤلفاته

ترك إرثًا علميًا وأدبيًا خالدًا يستفيد منه الناس، وقد ترجمت بعض مؤلفاته إلى لغات أخرى، كما كانت له أدعية وصلوات على سيدنا محمد ﷺ، ودواوين شعرية، ومن أبرز ما جُمع من مؤلفاته :

  • «سمط الدرر في أخبار مولد خير البشر» مختصر في السيرة النبوية
  • «مجموع الوصايا والإجازات»
  • «مجموع كلامه وأنفاسه العلمية والدعوية»
  • «الفتوحات الإلهية في الصلاة على خير البرية»

وفاته

توفي الإمام علي بن محمد الحبشي بسيئون يوم الأحد 20 ربيع الآخر سنة 1333هـ، ودفن فيها. وظل أثره العلمي والروحي حيًا في النفوس، وما زالت مؤلفاته وأذكاره وأوراده ينتفع بها الناس حتى اليوم .


المرجع :

من جمعان دويل – سيئون

رشفات من منهج طريقتنا