الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين رضي الله عنه

هو الإمام الذي نقل الناس عنه من العلوم والمعارف ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في البلدان


هو الإمام الذي نقل الناس عنه من العلوم والمعارف ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في البلدان، سيدنا محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب .

ولادته

ولد رضي الله عنه في المدينة المنورة يوم الجمعة 12 صفر سنة 57 هـ قبل استشهاد جده الإمام الحسين بــ 3 سنين وقيل : يوم الجمعة 1 رجب سنة 57 هجرية .

والإمام الباقر علوي من جهة أمه وأبيه، فهو أول مولود اجتمع بنسبهِ الإمامان الحسن والحسين رضي الله عنهما، فأمه : فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب والتي قال عنها حفيدها الامام الصادق كما ذكرت بعض المصادر أنها : (كانت صِدِّيقة لم تدرك في آل الحسن مثلها ).

كنيته ولقبه

كُنيَ رضي الله عنه بـ [ أبو جعفر ] ويـــسمى بـ [ الباقر ] من بقر الأرض ( شقها ) لأنه بقر العلم وأظهر من مخبآت الكنوز وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة .

روي عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله أنّه قال : ( يا جابر إنّك ستعيش حتى تدرك رجلًا من أولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقرًا ).

وكان سيدنا جابر آخر من بقي من أصحاب رسول الله وكان يقعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو معتجر بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم يا باقر العلم فكان أهل المدينة يقولون : جابر يهجر فكان يقول : لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا فذاك الذي دعاني إلى ما أقول قال : فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مر بطريق، في ذاك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن علي فلما نظر إليه قال : يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر ثم قال : شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده يا غلام ما اسمك ؟ قال : اسمي محمد بن علي بن الحسين فأقبل عليه يُقَبّل رأسه .

وصفه

كان الإمام محمد الباقر رضي الله عنه مربوع القامة، جعد الشّعر ، أسمر ، له خال على خده وخال أحمر في جسده، ضامر الكشح، حسن الصوت ومطرق الرأس، وروي أنّه كان على جبهته وأنفه أثر السجود، وكان يختضب بالحناء والكتم، ويأخذ عارضيه ويبطن لحيته وكان يلبس جبّة خزّ ومطرف خزّ ، ويرسل عمامته خلفه، وكان نقش خاتمه « العزة لله » وقيل : أنّه كان يتختم بخاتم جدّه الإمام الحسين، وكان نقشه « إنّ الله بالغ أمره » .

طلبه للعلم وتعليمه

صحب الإمام الباقر والده زين العابدين أكثر من 30 سنة وأخذ عنه أخذًا كاملًا وورث عنه العلوم وحدّث عنه وعاش بعده 19 سنة .

قال صاحب الإرشاد : لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والسنن وعلم القرآن والسير وفنون الأدب ما ظهر عند أبي جعفر الباقر ، روى عن بقايا الصحابة ووجوه التابعين، وسارت بذكر علومه الأخبار وأنشدت في مدائحه الأشعار .

كانت للإمام الباقر حلقة تدريس بالمسجد النبوي يدرس فيها علوم القرآن والفقه والنحو والأدب والجغرافيا والتاريخ والكيمياء والفلك واللغات، ولما بدأ سيدنا عمر بن عبد العزيز توسعته للمسجد النبوي أمر أن يكون ترتيب مراحل العمل بحيث لا تتعطل [ حلقة ] الإمام الباقر . 

وكان من الآخذين عنه الإمام أبو حنيفة وابن جريج والأوزاعي والزهري وغيرهم قال محمد بن مسلم : سألته عن ثلاثين ألف حديث .

وقد بلغ من العلم درجةً عاليةً سامية، حتى أن كثيرًا من العلماء كانوا يرون في أنفسهم فضلاً وتحصيلاً، فإذا جلسوا إليه أحسُّوا أنهم عِيالٌ عليه، وتلاميذٌ بين يديه . 

مجاهداته

كان الإمام الباقر رضي الله عنه شغوفًا بــ [ الذكر ] لا يكاد يفتر عنه وكان يقول : إن الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر لله عز وجل .

ويقول ابنه الإمام جعفر الصادق : كان أبي كثير الذكر ، لقد كنت امشي معه وأنه ليذكر الله وآكل معه وأنه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم ولا يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقًا بحنكه يقول : ” لا اله الا الله ” ولقد كان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا ومن كان لا يقرأ منا أمره بالذكر .

وكان رضي الله عنه كثير التهجد والقيام بالليالي، وقد قال ابنه الإمام جعفر : كان أبي يقول في جوف الليل في تضرعه : أمرتني فلم أأتمر ، ونهيتني فلم أنزجر ، فها أنا عبدك بين يديك مقر أعتذر .

وكان رضي الله عنه عظيم الخوف والخشية من الله تعالى وكان إذا ضحك قال : اللهم لا تمقتني .

أخلاقه

كان الإمام الباقر عظيم السخاء والجود، كما هي شيمة آل البيت الكرام وقد حكت سلمى مولاة أبي جعفر : أنه كان يدخل عليه بعض إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم في بعض الأحيان، ويعطيهم الدراهم، قالت : فكنت أكلمه في ذلك لكثرة عياله وتوسط حاله، فيقول : يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف، فكان يصل بالخمسمائة درهم وبالستمائة درهم إلى ألف درهم .

حكى مولاه أفلح قال : حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل المسجد ونظر البيت بكى فقلت : بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو خفضت صوتك قليلاً .

فقال : ( ويحك يا أفلح ولم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر إلي برحمة منه فأفوز بها غدًا ) ثم طاف بالبيت، وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ إذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه .

وكان رضي الله عنه يقول كما ذكر ابن الهيثم : ما اغرورقت عين من خشية الله تعالى إلا حرم الله وجه صاحبها على النار فإن سالت على الخدين دموعه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة .. الخ ما قال …. 

متفرقات من أخباره

كان الإمام الباقر رضي الله عنه يحب [ الشيخين ] سيدنا أبا بكر الصديق وسيدنا عمر الفاروق ويتولاهما 

وقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه صفوة الصفوة : عن عروة بن عبد الله قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف فقال : لا بأس به وقد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه .

فقلت : تقول : الصديق ؟ قال : فوثب وثبة واستقبل القبلة، وقال : نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدَّق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة .

أي ( فلا قبل منه قولاً أو دعاءًا ) والله اعلم .

شُرّف الإمام الباقر بــ [ السلام ] من جده خير الأنام 

فعن جابر الانصاري رضي الله عنه أنه قال للإمام الباقر وهو صغير : رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عليك . 

كنت جالسًا عنده والحسين في حجره يلاعبه فقال صلى الله عليه وسلم : يا جابر يولد له مولود اسمه ( علي ) إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده ثم يولد له ولد اسمه ( محمد ) فإذا أدركته يا جابر فأقرئه مني السلام .

روي : أن العلاء بن عمرو بن عبيد قدم على الإمام محمد الباقر رضي الله عنه يمتحنه فقال له : جعلت فداك ما معنى قوله تعالى : [ أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } ما هذا الرتق والفتق ؟

فقال له الباقر : كانت السماء رتقًا لا تنزل مطرًا وكانت الأرض رتقًا لا تخرج النبات ففتقناهما بنزول المطر وخروج النبات، فسكت أبو عمرو ولم يجد اعتراضًا .

كان نقش خاتم الإمام الباقر ( رب لا تذرني فردًا )

ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر نقش في خاتمه هذه الكلمات :

ظني بالله حسن
وبالنبي المؤتمن

وبالوصي ذي المنن
وبالحسين والحسن

من أقوال الإمام الباقر

وقال رضي الله عنه : الغنى والفقر يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان التوكل استوطناه . 

ومن كلامه رضي الله عنه : الصواعق تصيب المؤمن وغيره ولا تصيب ذاكر الله عز وجل .

وقال رضي الله عنه : ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج .

وقال رضي الله عنه : بئس الأخ يرعاك غنيًا ويقطعك فقيرًا .

وقال رضي الله عنه : اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك .

سئل رضي الله عنه عن قوله تعالى : [ أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا ] فقال : يصبرهم على الفقر ومصائب الدنيا .

وقال رضي الله عنه : سلاح اللئام قبيح الكلام .

وكان يقول : والله لموت عالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدًا .

أوصـى الإمام الباقر ابنه وقال : يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر ، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقًا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق .

وفي كتاب (نثر الدرر) أن الإمام محمد بن علي زين العابدين قال لابنه جعفر الصادق رضي الله عنهم : يا بني إن الله خبأ ثلاثة أشياء : خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من معصيته شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحدًا فلعله ذلك الولي .

وقال الإمام الباقر أيضًا : كان لي صاحب وكان عظيمًا في عيني وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه . 

عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي، قال : ( أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول ).

عن سالم بن أبي حفصة وكان يترفض، قال : دخلت على أبي جعفر وهو مريض فقال – وأظن قال ذلك من أجلي : (اللهم إني أتولى وأحب أبا بكر وعمر ، اللهم إن كان في نفسي غير هذا، فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة – صلى الله عليه وسلم ) .

ومن سير أعلام النبلاء : 

حدثنا ليث بن أبي سليم، قال : دخلت على أبي جعفر محمد الباقر بن علي ( وهو يذكر ذنوبه وما يقول الناس فيه، فبكى )

وكان الإمام يقول : ما دخل قلب امرئ من الكبر شيء إلا نقص من عقله مقدار ذلك .

أولاده 

للإمام الباقر من الأولاد ستة وقيل : سبعة وهم :

  • أبو عبد الله الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وكان يكنى به ، وعبد الله ،، وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
  • إبراهيم ، وعبيدالله ،، وأمهما أم حكيم بنت أسد بن المغيرة الثقفية .
  • علي ، وزينب ،، وأمهما أم ولد ، نقله صاحب كتاب ( الإرشاد ) .

قال الإمام عبد الله بن علوي الحداد باعلوي في قصيدته : 

والباقرِ السجاد خيرِ مـــهذبٍ

العالـــــمِ الرباني المتــــــورعِ

وفاته

توفي سيدنا الباقر بالمدينة سنة 114 هـ في شهر ذي الحجة ويقال في شهر ربيع الأول، ويقال : في شهر ربيع الآخر وربيع الأول أشهر وله من العمر ثلاث وستون سنة وقيل : ثمان وخمسون وقيل غير ذلك .

وأوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه ودفن بالبقيع عند أبيه في قبة العباس .

قباب البقيع قبل هدمها، تصوير ميرزا وأولاده سنة ١٩٠٧م
١-قبة آل البيت :سيدنا العباس بن عبد المطلب، وسيدنا الحسن بن علي، وسيدنا زين العابدين بن علي، سيدنا محمد الباقر بن زين العابدين، سيدنا جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله عنهم أجمعين.

المرجع :

آل باعلوي [ أهل الوداد ]