شيخ الطريقة العلوية الأستاذ الأعظم الفقيه المُقَدّم

نال رضي الله عنه ( الأستاذية العظمى ) بجدارة، وهو أول من أطلق عليه هذا اللقب الجامع في سلسلة بني علوي


هو إمام كل إمام، وشيخ كل شيخ، الذي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، سلطان الأولياء بلا منازع، سيدنا الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فهو الحفيد 16 لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلسلة نسبه ) .

لقبه

نال رضي الله عنه ( الأستاذية العظمى ) بجدارة، واكتمال كل الشرو، وهو أول من أطلق عليه هذا اللقب الجامع في سلسلة بني علوي لما بلغ إليه من العلم والعمل، ولأنه  أول من حمل لواء التصوف في حضرموت، فحوّل به مجرى الحياة الفكرية خلال عصره وما تلاه من العصور بعد ذلك …

ولادته ونشأته 

ولد سيدنا الفقيه المقدم بمدينة تريم في حضرموت سنة 574 هـ ، وترعرع في مجتمع موفور الهداية ، ونشأ بها في بيئة تزخر بكبار الأئمة والعلماء الحضارمة ، فتربّى وتعلم وتثقف على أيديهم ، وحفظ سيدنا المقدم القرآن الكريم ودرس علوم الشريعة وفقه الشافعية، والأصول والعلوم العقلية، والتفسير والحديث، والتصوف والحقائق، وغيرها من العلوم على علماء تريم وعلى غيرهم .

ومن شيوخه الذين أخذ عنهم

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باعبيد مصنف كتاب ( الإكمال على التنبيه ) وكان لا يبتدئ بالدرس حتى يحضر الفقيه المقدم، وممن أخذ عنهم الشيخ أحمد بن محمد باعيسى، والشيخ علي بن أحمد بامروان، والشيخ محمد بن أحمد بن أبي الحب، وعمه علوي بن محمد صاحب مرباط، وسالم بن بصري، علي بن محمد بن جديد، ومحمد بن علي الخطيب، والشريف سفيان بن عبد الله اليمني .

وبرع رضي الله عنه في جميع العلوم وأصبح عَلمًا يهتدى به ويشار إليه بالبنان، وأخذ رضي الله عنه في نشر تلك العلوم وخاض ميدان الدعوة إلى الله تعالى . 

وكان من أبرز الرجال الآخذين منهج العلم الروحي على يده عدد من الشيوخ منهم

عبد الله القديم بن محمد باعباد، عبد الرحمن بن محمد باعباد، عبد الله بن إبراهيم باقشير ، سعيد بن عمر بالحاف، إبراهيم بن يحيى بافضل، علي بن محمد الخطيب، أحمد بن محمد الخطيب، سعد بن عبد الله أكدر .

أخلاقه

كانت بداية الفقيه المقدم كنهاية أمثاله من أهل الطريقة بل كان كما قيل : ” أمير المؤمنين في جميع الكمالات ” . وكان رضي الله عنه مع كمال وسعة علومه وغزارة بسط فهومه، يؤثر التواضع والخمول في جميع أحواله، ويُحكى عن تواضعه أنه كان يحمل السمك إلى أهله في كمه .

 وعن كــرمه رضي الله عنه : فقد كان عنده 360 زيرًا ( جرة ) يخزن فيها التمر ويتصدق كل يوم بواحد منها على الفقراء، وكان إذا جاءه ضيف يجلسه على زير التمر ليأكل منه حاجته، وليلتمس بركة أيدي المسلمين، وكان يجمع كل سنة من أملاكه من النخل عشرة آلاف قهاول تمرًا، وينفقه في سبيل الله، ولا يدخر منه شيئًا .

كتب السيد صالح الحامد في تاريخه : وأما كرمه فحدث عنه ولا حرج، فقد واسى من تقدم ودرج، وتقدم في الجود على من مضى وفاقه، وترك الناس بين يديه ذوي فاقة. وكانت داره مشيدة البناء، رحبة الفناء، يلجأ إليها الأيتام والفقراء والأرامل، ويفد عليه الراجي والآمل .

مجاهداته

كان سيدنا الفقيه المقدم رضي الله عنه يشتغل بالدرس والصوم نهارًا، ويقوم في الأسحار ، ويواظب على قراءة القرآن سرً وجهرًا، وإذا ختم ختمة شرع في أخرى، وكان من أوراده اليومية مائة ألف من ( لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان يتعبد في شعب النعير وهو ( كهف في جبل ) تأسيًا بجده الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي كان يتعبد في غار حراء .

ما قيل فيه

أثنى على سيدنا الفقيه المقدم الكثير من أعيان وعلماء وأكابر عصره واعترفوا بعظيم مقامه، وكان الشيخ سفيان اليمني يُعظّم أحوال سيدنا الفقيه المقدم ويجل فتوحاته، ويندهش عند ذكر أخباره، بل ادهشت أحواله كثيرًا من أهل زمانه فما قدروها حق قدرها .

وأحواله قد بهرت كل عارف ……………..
وفي لفظه حارت عقول أولي النهى  

فما فسروا منها بتفسير مقنع
وأفحم معنى سرها كل مربع

وكان الشيخ سفيان قد قدم لزيارة حضرموت، ونزل تريم، واجتمع في تلك الزيارة بالفقيه المقدم وهو إذ ذاك في أول فتحه، ومبتدأ ظهور حاله، فحصلت بينهما مذاكرات وانبساطات، ثم لما رحل الشيخ سفيان أرسل إليه الفقيه المقدم كتابًا يشتمل على لوامع من النور المكنون، فلما وقف عليه الشيخ سفيان قال في جوابه إلى الفقيه كلامًا معناه ” إن هذا لشيء لم نعرفه، ومقام لم نبلغه ” وكان أحد المشائخ الكبار يقول : “ما وصلنا إلى درجة الفقيه المقدم حتـى نصفها” .

وقال شيخ وادي الأحقاف سيدنا الإمام عبد الرحمن السـقاف : ما رأيت ولا سمعت أقوى من كلام الفقيه المقدم إلا أن يكون كلام الأنبياء “وما نُفضل عليه أحدًا من الأولياء إلا أن يكون من الصحابة أو ممن ورد بفضله نص صحيح نبوي مثل أويس القرني وغيره” .

كالفقيه المقدم بن علي في القوم
ما نفضّل أحد مثله أبو علوي .،…….

لؤلؤه جوهريّة مثلها معدوم
…………………………………..

حكي أن سفيان الثوري قال : “من اجتمعت فيه صفتان من هذه الأوصاف لم يفضله أحد من أهل زمانه وهي الشريف السني، والفقيه الصوفي، والعالم الزاهد، والغني المتواضع، والفقير الشاكر .
قال العلماء : “اجتمعت جميع هذه الأوصاف في الفقيه المقدم”

قال صاحب المشرع الروي : “فهو بالإجماع أستاذ أهل الشريعة والطريقة، وحامل لواء جيش الحقيقة” وقال بعضهم : “لو كان للأولياء ختام لكان الفقيه المقدم”  وصح لمحبيه أن ينشدوا فيه : “والمقفى ما بعده من ولي … فهو لا شك خاتم الأولياء ” وخاتم الأولياء في اصطلاحهم (من بلغ الوراثة المحمدية وهو مقام القطبية الكبرى ) .

والفقيه المقدم هو أول من أنشأ زيارة النبي هود عليه السلام .

الإمام الحداد والفقيه المقدم 

كان الإمام عبد الله بن علوي الحداد – يحب الفقيه المقدم حبًا شديدًا وكان ربما أخذته غيبوبه فلا يفيق حتى يضجعوه على قبر الفقيه .  

وزار شخص تربة آل باعلوي فقال له الإمام الحداد : زرت آل باعلوي ؟! قال : زرت الفقيه المقدم وحده! فقال له الحداد : هو الشيء كله .

سئل الإمام الحداد : هل الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني أفضل أم الشيخ الإمام الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي ؟!

فقال من جملة جوابه : الفقيه المقدم والجيلاني إمامان كبيران قطبان جامعان شريفان سنيّان كل منهما فاضل سابق مقرب وانتفاعنا واعتمادنا على الفقيه المقدم أكثر وأظهر ، لأنه الأب والشيخ الذي تدور عليه الدوائر في هذه الجهة لنا ولغيرنا .

 من أقواله رضي الله عنه

يقول سيدنا الفقيه المقدم متحدثًا بنعمة الله عليه : “أنا في الأولياء كمحمد في الأنبياء ” وقال مرة : ” قد فُتح لقلبي سبعون بابًا من العلم اللدني سعة كل باب كسعة مابين السماء والأرض ” وقال أيضا : ” أنا لأهل بلدي كالغيث ” ومن كلام له قال : “الفقر فخري وبه أفتخر وبه على النفس والشيطان أنتصر” .

وأما آثاره المكتوبة فلا يُعلم منها الآن شئ، إلا ما جاء في كتب التاريخ الحضرمي بلفظ العموم كقول الشاطري في الأدوار  : “وله كتب أخرى في التصوف والحقائق وبينه وبين بعض علماء عصره في الخارج مراجعات ونقود وردود” وزاد في الحاشية معلقًا : “وكتبه خطيّه وعزيزة الوجود” ومما بقي من آثاره مثبتًا في كتب الأدعية والأذكار، هذا الورد المنسوب إليه ويُحرص على الإتيان به يوميًا .

بسم الله الرحمن الرحيم 

“اللهم انقلنا والمسلمين من الشقاوة إلى السعادة ومن النار إلى الجنة ومن العذاب إلى الرحمة ومن الذنوب إلى المغفرة ومن الإساءة إلى الإحسان ومن الخوف إلى الأمان ومن الفقر إلى الغنى ومن الذل إلى العز ومن الإهانة إلى الكرامة ومن الضيق إلى السعة ومن الشر إلى الخير ومن العسر إلى اليسر ومن الإدبار إلى الإقبال ومن السقم إلى الصحة ومن السخط إلى الرضى ومن الغفلة إلى العبادة ومن الفترة إلى الإجتهاد ومن الخذلان إلى التوفيق ومن البدعة إلى السنة ومن الجور إلى العدل اللهم أعنا على ديننا بالدنيا وعلى الدنيا بالتقوى وعلى التقوى بالعمل وعلى العمل بالتوفيق وعلى جميع ذلك بلطفك المفضي إلى رضاك المنهي إلى جنتك المصحوب ذلك بالنظر إلى وجهك الكريم ، يا الله ( ثلاثا ) يارباه (ثلاثا) يا غوثاه (ثلاثا) يا أكرم الأكرمين يا رحمن يا رحيم يا ذا الجلال والإكرام يا ذا المواهب العظِام  أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه .

اللهم إني أسألك التوفيق لمَحَابِك من الأعمال وصدق التوكل عليك وحسن الظن بك والغُنْيةِ عمّن سواك، إلهي يا لطيف يا رزاق يا ودود يا قوي يا متين أسألك تألُهًا بك واستغراقًا فيك ولطفًا شاملًا من لدنك ورزقًا واسعًا هنيئًا مريئًا وسنًا طويلًا وعملًا صالحًا في الإيمان واليقين وملازمة في الحق والدين وعزًا وشرفًا يبقى ويتَأبّد لا يشُوبُه تكبُر ولا عُتُو ولا فساد إنك سميع قريب وصلى الله على سيدنا محمد وآله و صحبه وسلم والحمد لله رب العالمين” . 

تصوفه

 إن سيدنا الفقيه المقدم محمد بن علي هو – أول من حمل لواء التصوف في حضرموت – فحوّل به مجرى الحياة الفكرية خلال عصره وما بعده من العصور إلى وقتنا الحاضر ، وكان النشاط الصوفي قد بلغ ذروته في ذلك العصر .

تأسيس المدرسة الصوفية العلوية بحضرموت

كان القرن السادس الهجري يزخر بالعديد من التيارات الفكرية ما بين حق وباطل، وذلك نتيجة ما ولّدته القرون السالفة من عهد صدر الإسلام حتى ظهور المذهبية في العالم الإسلامي وظهور المدارس الصوفية، وقد برزت في هذه المرحلة المذاهب الفقهيه، مذهب الإمام الشافعي بحضرموت ونواحيها، بينما ساد المذهب الزيدي في صنعاء وما حولها، وساد أيضًا في حضرموت منهج  الأشاعرة في الإعتقاد وضَعُفَ أثر الخوارج ودعوتهم الإباضية .                                    

أما التصوف فقد انتقل عبر مراحل تكوّنه من عصر الصدر الأول من مرحلة الأفراد والشخوص، ليصبح مع مطلع القرن السادس فكرًا مزاحمًا للمدارس المنتشرة في العالم الإسلامي، يحمل أطروحة فكرية لها وزنها في معطيات الأفكار والرؤى والتوجهات .

وتتلخص المدارس الصوفية خلال مرحلة ظهور الفقيه المقدم إلى مدرستين عالميتين

 الأولى : المدرسة الصوفية القادرية في المشرق :

وتنتمي هذه المدرسة للشيخ الكبير عبدالقادر الجيلاني، المتوفي سنة 615 ، الذي انتهت إليه الرئاسة في علوم الطريق وشرح أحوال القوم، كما انتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وتتلمذ له خلق كثير ولبس منه الخرقة خلائق لا يحصون وإليه يرجع جمهور شيوخ اليمن .

الثانية : المدرسة الشعيبية في المغرب :

وهي المدرسة الصوفية المنسوبة للشيخ الكبير أبي مدين شعيب التلمساني المغربي المتوفي بتلمسان من أرض المغرب سنة 580 ، الذي انتهت إليه علوم القوم ورئاسة طريقهم، وأحد الذين أظهر الله بهم فنون الحكمة وأسرار المعارف في أرض المغرب، أخذ عنه كثيرون وتخرج به جماعة من الأكابر وانعقد الإجماع على فضله .

الفقيه المقدم وارتباطه بالطريقة الشعيبية المغربية

 لم تكن حضرموت في – هذه المرحلة – بمعزل عن التحولات والأحداث الجارية في العالم الإسلامي، وما يدور فيها من صراع فكري واجتماعي، بل كان واقع الزمان وأحواله السياسية مسهما إلى حد كبير في ظهور المدارس الصوفية، وهي التي تمثل انعكاسًا حتميًا لذلك الواقع ومعطياته، وكما أشرنا آنفًا أن ذهن الفقيه المقدم قد انقدح بأمر ضرورة التحول المنهجي لما تقتضيه المصلحة اللازمة القائمة، ليس في الواقع الحضرمي فحسب، وإنما في العالم الإسلامي كله .                                

ولم يكن هناك من مخرج ملائم بعد التقصي والدراسة الواعية عند الإمام الفقيه المقدم  غير الأخذ بالطريق الصوفي منهجًا أخلاقيًا وموقفًا  سياسيًا، أمام المواقف الفكرية الأخرى، ولقد كانت حضرموت في تلك الآونة تزخر بنشاط علمي وعملي زاخر ، وكان الفقهاء والمحدثون والأصوليون هم المتصدرون في منابر العلم والتعليم وعلى المنابر الإسلامية، ولم يكن الفقيه المقدم منعزلًا عنهم بل كان في مقدمة تلاميذ الفقيه العلامة الشيخ علي بن أحمد بامروان، جالسًا بين يديه وعلى فخذه سلاحه، حيث كان قلب الفقيه مفعمًا بآثار التعبد والمجاهدة في ذات الله التي ألزم بها نفسه وأشرقت عليه أنوارها، فكان يزعجه من أقرانه وجلسائه ما يسمعه من خوض فيما لا يعني، ويقلقه طول الجدل الفقهي الفرضي المشوب بالانفعالات النفسية، ويستشعر الجفاف العلمي في النصوص إذا لم تنعكس سلوكياتها العليا على أهلها، ولكن الأدب الذي تربى عليه والأخلاق التي تحلّى بها تمنعه من الاعتراض على مثل هذه البشريات، ويكتفي من ذلك كله بشهود الخصوصيات .

ويبدو أن أخبار الفقيه المقدم ومكانته العلمية والعملية وتوجهاته الفكرية قد بلغت بواسطة المسافرين إلى خارج حضرموت، وتحدث الناس بأحواله وشريف أقواله، فما كان من الشيخ الكبير “صاحب بجاية الشيخ أبي مدين شعيب شيخ الطريقة الصوفية بالمغرب“، وهو المطّلع  على مجريات الأحداث ونشاط المدارس الفكرية في عصره، إلا أن دعا أحد كبار تلاميذه وهو الشيخ عبد الرحمن المقعد ، وأمره أن يدخل من المغرب إلى مكة، ومن مكة إلى حضرموت وقال له : “إن لنا فيها أصحابًا ، سِر إليهم وخذ عليهم عقد التحكيم ولُبس الخرقة “وأعطاه الخرقة – وهي شعار التصوف ورمزه  – وأمره أن يعطيها الفقيه المقدم ( والكلام عن خرقة الصوفية وشرح تفاصيلها في المجلد الــ 5 من إحياء علوم الدين للحجة الغزالي الباب الــ 12 منه) 

وقال فيما قال : “إنك تموت في أثناء الطريق قبل أن تصل إليهم، فأرسل إليهم من يأخذ عليهم عقد التحكيم ولبس الخرقة” فلما وصل عبد الرحمن المقعد إلى مكة المكرمة حضرته الوفاة فأوصى عبد الله الصالح المغربي، وهو من تلامذته، أن يتولى المهمة ويتصل بالفقيه المقدم، وأعطاه الخرقة، وقال له : “ستدخل تريم وتجد الشريف ( محمد بن علي ) يقرأ على الفقيه علي بامروان فاعمد إليه وحَكِّمه وألبسه هذه الخرقة،  ثم إذهب إلى مدينة قيدون إلى الشيخ سعيد العمودي فحكمه”.

خرج الشيخ عبد الله المغربي من أرض الحرمين حاملًا معه آمال مدرسة وتوجه أجيال قاطعًا طريقه من بلاد إلى بلاد مخترقًا أرض اليمن حتى وصل إلى حضرموت، ودخل إلى تريم، ووجد الفقيه المقدم بين يدي شيخه بامروان، فقال له : “أي جوهرة أنت لو ثقبت” ؟! فقال الفقيه : “وما الثقب” ؟! قال : “التحكيم” ؛  فأخبره بما أتى لأجله وأعلمه بجميع أمره، فرغب الفقيه المقدم بالانتظام تحت تبعيته، ورأى أن حال الفقر إلى الله لحاله مناسب، فلبس الخرقة وأخذ عليه عبد الله المغربي نيابة عن الشيخ أبي مدين العهد والتحكيم، وأعلن موقفه على الجميع فكان يوم التحول موقفًا عظيما وحدثًا جسيمًا . 

وكانت نتيجة إعلان الفقيه المقدم لهذا المبدأ على المجتمع ردًا عنيفًا من أقرب الناس أثرًا وتأثيرًا عليه، فقد ذكرت التراجم : أن شيخه الشيخ علي بن أحمد بامروان لما رآه قد تغير عمّا كان عليه، قال له أمام الملأ : “أذهبت نورك . وقد رجونا أن تكون كابن فورك . واخترت طريق التصوف والفقر . وقد كنت على المقدار والقدر” .

إنها عبارات شديدة الوقع، لكن الفقيه المقدم لم يكن في تحوله مزاجيًا ولا عاطفيًا، بل لم يكن في هذا الإعلان منطويًا تحت شعارات الحماس المنبعث من وجود النصير أو المساند، وإنما كان يتصرف بتُؤَدَةٍ ووعي وصدق توجه وتثبت، ولهذا رد رضي الله عنه على شيخه بامروان بقوله : “الفقر فخري وبه أفتخر وبه على النفس والشيطان أنتصر ، ولا أتباعد عنكم إعراضًا، ولا تبدلت بكم معتاضًا.”

فكان ذلك  أول نَفَسٍ صوفي يعلن به الفقيه المقدم موقفه، ويعطي لشيخه ما يجب عليه من الإنطواء والتأدب، ويبرر أيضًا تعليل أخذه لمبدأ التصوف المعلن. لكن الفقيه بامروان لم يعجبه موقف الفقيه المقدم وتحوله المعلن .

ومنذ تلك اللحظة، بدأ الفقيه المقدم يضع الأساسيات العملية لمنهجه ورؤيته التي كان من قبل يفكر فيها، بينما توجه المبعوث المغربي إلى وادي دوعن ليكمل رسالته التي وُكِّلَ بها .

بدأ الفقيه منذ إعلان صوفيته يوجه همة أبنائه وأتباعه إلى الاهتمام بالعلم والعمل، وتصفية النفس، وشحذ الوجدان بالذوق السليم المنبعث من كثرة التلاوة والصيام وإطعام الطعام، وكسر سَوْرَة الشهوات بالمجاهدات، والابتعاد عن أهل الجهالات مع النصح لهم بالتي هي أحسن، ومخالطة البسطاء من العوام وتلبية حوائجهم، إلى غير ذلك من الفضائل…

 ولقد دعا الفقيه المقدم لذريته بثلاث دعوات :
الأولى : بذل النفوس ولا يرجعون إلى العمومية ( أي : لا يزالون على زي الفقراء ) .
الثانية : أن لا يسلط عليهم ظالم يؤذيهم .
الثالثة : أن لا يموت أحدهم إلا وهو مستور في دنياه ( أي لا يكون به حاجه تضر بدينه) ، فقبلهن الله تعالى .

كتب السيد المؤرخ علي بن حسين العطاس في كتابه ( تاج الأعراس ) :

فائدة : اعلم أن سيدنا الفقيه المقدم  محمد بن علي باعلوي، إنما تزيّا بزي الفقراء وترك حمل السلاح الظاهر لأمور :

منها : أنه دعا لأولاده بأن يكونوا من أهل المقامات والأحوال بالسلاح الباطن الذي هو البرهان المبين الحاضر المعبر عن نفسه ( بسيف القدرة ) فأصبحوا هم الملوك وهم أهل الشوكة والحماية وقد أشار الشاعر بقوله :

مُلوكٌ على التحقيق ليس لغيرهم

من المُلك إلا اسمه وعقابه

الأمر الثاني : أن الله سبحانه وتعالى أطلعه على أنهم سوف يكثرون بالجهة الحضرمية، ودولتها وقبائلها وأهل الشوكة فيها على غير قانون الشريعة، فإنهم يقتلون البرئ بالمجرم، ويأخذون مال البرئ بذنب غيره، حتى إني رأيت أمر السلطنة والقبول من المشقاص إلى الطرية، ومن الساحل إلى مأرب جميعه مبنية على نار جهنم، لأنه مخالف قانون الشريعة وموافق لأمر الجاهلية الجهلاء .

الأمر الثالث : أن آخر هذا الزمان المشار إليه بتراكم الفتن، والمأمور فيه بكسر السيف نصًا من جد الحسن كما صح في ( صحيح مسلم ) قوله صلى الله عليه وآله وسلم : { ستكون فتنٌ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرّف لها تستشرفه، ومن وجد منها ملجأ فلْيَعُذْ به } ، وفي رواية : { تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم } إلى أن قال صلى الله عليه وسلم : { يعمد إلى سيفه فيدُقُّ على حدِّه بحجر } قال الإمام محيي الدين النووي في ( شرح صحيح مسلم ) أمّا قوله : ( من وجد ملجأ ) : أي عاصمًا أو موضعًا يلتجئ إليه ويعزل فيه ( فليعذ به ) : أي فليعتزل فيه، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( القاعد فيها خير من القائم ) إلى آخره، فمعناه بيان عظيم خطرها، والحثّ على تجنبها، والهرب منها ومن التسبب في شئ منها، وإنّ شرّها وفتنتنها تكون على حسب التعلق بها، وأمّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يعمد إلى سيفه فيدُقّه إلى حدّه بحجر ) فالمراد كسر السيف حقيقة على ظاهر الحديث لِيَسُدَّ على نفسه باب هذا القتال ، وقيل هو مجاز والمراد ترك القتال ، والأول أصح .

فلو حمل السلاح أولاد سيدنا الفقيه المقدم في حضرموت لكان منهم لأنفسهم الهلاك، ولصاروا أعظم ذنبًا من غيرهم، كما وقع فيه من خلف سيدنا الفقيه من أولاده وذويه .

ومن الذين تأثروا أيضًا بطريق التصوف في حضرموت الشيخ سعيد بن عيسى العمودي بوادي دوعن، فقد قَدِم الشيخ سعيد إلى تريم ووضع يده في يد الفقيه المقدم واتفقا معًا على قرار الحسم بكسر السيف وترك حمل السلاح، والاعتناء بديلًا عنه بالعلم والعمل أساسًا للتوجه الروحي وبهذا الاتحاد الروحي بين الشيخين كان الشيخ سعيد العمودي الشريك الأساسي لقرار الفقيه المقدم بكسر السيف والتحول إلى طريق الزهد والبعد عن طلب الحكم، وقد أثرت دعوته في الأوساط الحضرمية إلى نزع السلاح، واعتناق التصوف، وتبعه على ذلك قومه العلويون وغيرهم، وفي مقدمتهم كثير ممن عرفوا بـ ( المشايخ ) وبعد أن كسر الفقيه المقدم سيفه أعطى أجزاؤه لتلميذه المقرب الشيخ سعيد العمودي ( ولا تزال أجزاء هذا السيف محفوظة لدى أحفاد الشيخ العمودي ) .

واشتهر إطلاق تسمية ( خزانة آل باعلوي ) على المشايخ آل عمودي منذ أن تم الإتحاد الروحي بين العلمين الشهرين الفقيه المقدم والشيخ عيسى العمودي .

ذريته

تزوج ابنة عمه السيدة الشريفة زينب بنت أحمد بن محمد صاحب مرباط، والتي تُعرف بلقب “أم الفقراء”

وله منها خمسة أبناء : علوي الغيور ، أحمد الشهيد ، وعلي … ولهم عقب منتشر

 وعبدالله ، وعبدالرحمن، لم يعقبا .

وفاته 

 توفي رضي الله عنه بمدينة تريم في ليلة الجمعه 29 ذو الحجة عام 653 هـ وعمره 79 سنه، ودفن بمقبرة زنبل ، وعرف بـ (مقدم التربة ) لأنه أول من يُزار في تربة تريم رضي الله عنه ورضي عنا به، وصعقت حضرموت لخبر وفاته واظلمت الأرض لهول مصرعه وبكاه أهل العصر والمصر .

يجمع تاريخ وفاته بحساب الجمل الكبير عدد حروف ( اب تريم ).


المراجع :

الأستاذ الفقيه المقدم .. سلسلة أعلام حضرموت | للحبيب أبو بكر العدني بن علي المشهور

أهل الوداد