تظل مدينة تريم بحضرموت منارةً علميةً رائدة، إذ احتضنت عبر قرون متعاقبة مدارس علمية وأربطة شرعية خرّجت أجيالا من العلماء والدعاة والمربين، وأسهمت في حفظ العلوم الإسلامية ونشرها في مختلف الأقطار .
وما زالت تتوارث الأجيال فيها المعارف الشرعية كابرًا عن كابر ، وفي سياق هذا التدفّق المعرفي، برز معهد دار الحديث للإرث النبوي بتريم كإضافة نوعية صاغت لنفسها مسارًا تخصصيًا دقيقًا، يسدُّ ثغرةً معرفية في فضاء المدارس الإسلامية المعاصرة عبر حراسة علوم الحديث والعقيدة وفق منهجية أهل السنة والجماعة، وربط طلاب العلم بسلاسل التلقي المتصلة، وإعداد جيل يجمع بين الرسوخ العلمي والتزكية والسلوك .
النشأة والتأسيس
بدأت فكرة دار الحديث للإرث النبوي سنة 1438هـ، حيث انطلقت في صورة حلقات علمية تُعقد داخل المنزل، ثم ما لبثت أن توسعت مع ازدياد عدد الطلاب، فانتقلت إلى المسجد، واستمرت على هيئة حلقات علمية منتظمة .
ومع اتساع دائرة الإقبال، تطورت هذه الحلقات إلى دورات علمية، ثم إلى دورات علمية مكثفة، بدأت في أول أمرها لمدة يومين، ثم امتدت إلى أسبوع، ثم إلى شهر ، حتى استقرت على دورات تستمر ستة أشهر ، وهو ما هيأ لقيام مشروع علمي أكثر استقرارًا وتنظيمًا .
وفي هذه المرحلة جرى التشاور مع الحبيب المربي والداعية والمفكر الإسلامي الحبيب أبو بكر بن علي المشهور العدني حول مستقبل هذا المشروع، فاقترح افتتاحه افتتاحًا رسميًا بوصفه معهدًا علميًا مستقلا، فكانت هذه الفكرة نقطة التحول في مسيرة دار الحديث .
وبناءً على ذلك، افتُتح المعهد افتتاحًا رسميًا في شهر محرم سنة 1440هـ، وكان الافتتاح يوم الثلاثاء في مسجد جمل الليل بحارة عيديد في مدينة تريم، ليبدأ عمله بوصفه معهدًا علميًا معتمدًا، وفق الإجراءات النظامية المتعلقة بالتراخيص والوثائق الرسمية الخاصة بالمؤسسة .
ومنذ افتتاحه الرسمي، تقرر أن تكون مدة الدراسة في المعهد سنتين، مع اعتماد منهج علمي متكامل يحقق الأهداف التي أُسس من أجلها .
وقد افتتح المعهد على يد الحبيب أبو بكر بن علي المشهور العدني، وتحت إشرافه ورعايته، كما حظي كذلك بعناية وإشراف شيخنا الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ، فكانت لهما المتابعة المباشرة في رسم المنهج العلمي، وتوجيه مسيرة المعهد منذ بداياته .
الدافع إلى إنشاء المعهد
جاء تأسيس دار الحديث للإرث النبوي بعد نظرٍ وتأمل في الواقع العلمي لمدينة تريم، وهي المدينة التي عُرفت عبر تاريخها بأنها منارة للعلم الشرعي، وتضم عددًا من الأربطة والمعاهد والمؤسسات العلمية التي أدت أدوارًا كبيرة في خدمة العلوم الإسلامية .
وقد رأى القائمون على المعهد أن هذه المؤسسات ـ مع عظيم فضلها ومكانتها ـ قد غلب على كل واحدة منها جانب علمي معين، فكان من المناسب أن يوجد مشروع علمي يتجه بعناية خاصة إلى علوم الحديث والعقيدة، مع المحافظة على دراسة بقية العلوم الشرعية .
فمن المؤسسات العلمية الرائدة في تريم رباط تريم العلمي، الذي اشتهر بعنايته بعلم الفقه، مع تدريسه سائر العلوم المساندة، حتى أصبح مقصدًا لتخريج الفقهاء والعلماء الذين يقومون بتعليم الناس والإفتاء في أمور دينهم .
كما أن دار المصطفى، التي أسسها شيخنا الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ، أولت عناية كبيرة بجانب التزكية والدعوة إلى الله تعالى، مع استمرارها في تدريس مختلف العلوم الشرعية .
وكذلك رباط الإمام المهاجر ، الذي أسسه الحبيب أبو بكر بن علي المشهور ، ويُدرِّس العلوم الشرعية، مع عناية خاصة بما عُرف بفقه التحولات وعلامات الساعة، إضافة إلى العلوم التي اهتم بها مؤسس الرباط .
إلى جانب ذلك، تقوم جامعة الأحقاف بدور أكاديمي في تدريس العلوم الشرعية، كما توجد في تريم وسيئون وغيرها من مدن حضرموت أربطة ومعاهد علمية متعددة، لكل منها إسهامها في خدمة العلم الشرعي .
ومن هنا نشأت فكرة دار الحديث للإرث النبوي؛ ليكون مؤسسة علمية تتجه بعناية مركزة إلى خدمة علوم الحديث والعقيدة، مع المحافظة على التكامل في دراسة بقية العلوم الشرعية، بحيث يسد جانبًا علميًا رأى مؤسسوه الحاجة إلى مزيد من العناية به داخل البيئة العلمية في تريم .
أهداف دار الحديث للإرث النبوي
يقوم دار الحديث للإرث النبوي على جملة من الأهداف العلمية التي تمثل الأساس الذي أُنشئ من أجله، ويأتي في مقدمة هذه الأهداف إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونشرها، وترسيخ المنهج العلمي الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في فهمها وتلقيها والدفاع عنها .
أولًا : إحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ينطلق المعهد من أن أهل السنة والجماعة إنما سُمّوا بهذا الإسم لارتباطهم بالسنة النبوية وتمسكهم بها، وأن هذا المنهج قام تاريخيًا على التوسط والاعتدال، فكان وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط .
ويقرر المعهد أن منهج أهل السنة والجماعة نشأ في مواجهة الاتجاهات التي غلت في باب الاعتقاد أو قصرت فيه، فكان منهجًا قائمًا على الالتزام بالنصوص الشرعية، مع المحافظة على التوازن الذي سار عليه سلف الأمة .
ومن هذا المنطلق يحرص المعهد على إحياء السنة النبوية، ونشر علومها، وربط طلاب العلم بمنهج أهل الحديث الذي حفظ هذه السُّنة عبر القرون .
ثانيًا : إحياء منهج التلقي بالسند المتصل
إن الهدف من إنشاء المعهد هو إحياء منهج التلقي بالسند المتصل؛ إذ كاد هذا المنهج الأصيل يندثر في الآونة الأخيرة مع ظهور أهل البدع، الذين صاروا يعبثون بكتب الحديث وكتب المصطلح، ويتناولونها دون تلقٍّ مباشر على أيدي الرجال والعلماء الذين قرأوها وتلقوها بسندهم المتصل إلى مؤلفي هذه الكتب، ومن مؤلفيها إلى النبي ﷺ. من أجل ذلك، جاء هذا المعهد ليُحيي منهج التلقي بالسند المتصل المقرون بـشرف العدالة ،لأن هناك من يقرأ هذه الكتب ويرويها ولكن لا تتحقق فيهم شرف العدالة، فتجدهم يقعون في السَّب والشتم، ويسفهون السلف الصالح، بينما المنهج الذي بيّنه النبي ﷺ في تلقي العلم وروايته يشترط شرف العدالة، مصداقًا لقوله ﷺ :”يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله ” .
فإن إحياء منهج التلقي المقرون بشرف العدالة هو الذي يورث صدق الانتماء والوراثة النبوية، وليس مجرد فقط القراءة .
ثالثا : إظهار دور العلماء وجهودهم في نشر السنة
يهدف المعهد أيضًا إلى إظهار الدور العظيم والجهد الكبير الذي بذله العلماء في المحافظة على سنة النبي ﷺ ونشرها. كما يسلّط الضوء بشكل خاص على أدوار علماء أهل اليمن، وبيان كيف أنهم كانوا سبّاقين في هذا الباب، حيث نجد أن أول من دَوَّن السنة النبوية ونقلها إلينا هو همام بن منبه في صحيفته، كما في صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما، وقد روى صحيفته عن أبي هريرة رضي الله عنه مباشرة. كما أن أول من اختصر الكتب الستة على الإطلاق هو العالم سعيد بن معن القُرضي .
رابعًا: الدفاع عن السنة النبوية وتفنيد الشبهات
يولي المعهد اهتمامًا بالغًا بالدفاع عن السنة النبوية وتفنيد الشبهات المثارة حولها، وإن فهمنا لسبب تسميتنا بـ “أهل السنة والجماعة” ينطلق من موقفنا الوسطي بين الإفراط والتفريط، ففي الوقت الذي نجد فيه جماعات كالمعتزلة يقدّمون العقل على النقل، أو أطرافًا أخرى يطعنون في صحيح البخاري ومصنفات الحديث طعنًا لا يليق ومجردًا من الدليل، نجد أن أهل السنة والجماعة هم أول من أسس مدرسة النقد العلمي المنهجي وحماها .
فالتاريخ يشهد أن النقد العلمي الأصيل نبع من داخل المدرسة الحديثية نفسها، حيث وجّه علي بن المديني تلميذه الإمام البخاري في بعض الأحاديث، وتلاه جهابذة كأبي زرعة والدارقطني – الذي ألّف كتابه العظيم في تتبّع أحاديث الصحيحين وانتقد فيهما نحو 210 أحاديث – إلا أنه كان نقدًا علميًا رصينًا مبنيًا على قواعد راسخة .
أما ما نشهده اليوم من حملات للسب والطعن في الإمام البخاري والسنة النبوية، فهو أمر يقع تمامًا خارج إطار النقد العلمي المنصف. ومن هنا، يأتي دور هذا المعهد لكشف الخلفيات الحقيقية والدوافع الممنهجة وراء هذه الحملات، فالسنة متمثلة في كتب الحديث، وخلاصتها هي الكتب الستة، وزبدة هذه الكتب هي صحيحي البخاري ومسلم، وزبدة الصحيحين في صحيح البخاري .
بناءً على ذلك، فإن استهداف صحيح البخاري ليس مجرد نقد عابر ، بل هو محاولة مقصودة لهدم المرجعية الحديثية الكبرى لأهل السنة والجماعة بأكملها، حتى لا يكون لهم مرجعية يرجعون إليها – وهي صحيحي البخاري ومسلم وبقية كتب الحديث – وإفراغ الأمة من أصولها التي ترجع إليها .
خامساً : إعادة ربط طلاب العلم بمصادر السنة
فبعد أن صار كثير من الطلاب يقتصرون على الأربعين النووية أو أحاديث محدودة يقرؤونها، يسعى المعهد لربطهم بالمصادر الأمهات من الكتب الستة، والمسانيد، والسنن، ليعود الطلاب ويرتبطوا بهذا المنهج العلمي الأصيل .
سادسا : إتمام بناء طلاب المدارس :
الطالب في المدارس الذي لم يستطع أن يقرأ هذه الكتب عنده الفرصة لأن يأتي إلى هذا المعهد من أجل أن يتمم النقص الذي عنده .
المنهج الدراسي في دار الحديث للإرث النبوي
أما بالنسبة للمنهج المتلقى في هذا المعهد، فهو يدرس العلوم الشرعية متكاملة، فلا يقتصر على علم الحديث فحسب، بل يدرس علم الحديث، والعقيدة، والتصوف، والفقه، والنحو، والصرف، والبلاغة، والتفسير، والمنطق، وغيرها من علوم الأصول وغيرها من العلوم .
مع تركيز موضوعي وتفصيلي مكثف على ثلاثة مواد رئيسة هي :
- علم الحديث .
- العقيدة .
- التصوف .
ويدرس هناك بقية العلوم التي لا بد منها، والتي تساعد وتساند هذه العلوم وقد بُني هذا المزيج التعليمي استنادًا إلى منهج “المدرسة الصولتية” ومنهج “الحرمين الشريفين” في تلك المرحلة، وتتوزع المقررات على النحو الآتي :
العلم الشرعي
متون الحديث الشريف
مصطلح الحديث وعلومه
علم العقيدة
كتب التصوف
الفقه
علوم اللغة العربية
المنطق
علم الأصول
التفسير
علم التجويد
علم القراءات
اللغة العربية لغير الناطقين بها
أبرز المتون والمقررات المعتمدة في المعهد.
الكتب الستة : صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وأضف إلى ذلك موطأ الإمام مالك، ومسند الدارمي.
البيقونية، وشرحها «التقريرات السنية»، ونخبة الفكر ، ونزهة النظر، وتدريب الراوي، وألفية السيوطي، وهي مقررة حفظًا.
وبقية العلوم المساندة والمستقلة لعلم الحديث : علم الجرح والتعديل كدراسة مستقلة، وعلم منهج المحدثين، ومنهج الدفاع عن السنة، وعلم الطبقات، و علم العلل.
منهج الإمام السنوسي كاملا(صغرى الصغرى،الصغرى ، والوسطى، والكبرى). كتاب الفَرقُ بين الفِرَق للبغدادي، وكذلك مذكرات تتعلق بالأديان وبالإلحاد. جوهرة التوحيد، وإضاءة الدجنة، وعقيدة العوام، وعقيدة ابن عساكر، فهذه من العقائد المقررة، والتي يدرسها الطالب دراسةً تفصيلية.
نبدأ كتب التصوف من الرسالة الجامعة للحبشي، وأيضًا بداية الهداية، وكتب الإمام الغزالي، ومنها «منهاج العابدين»، و«إحياء علوم الدين»، و«الرسالة القشيرية»، و«قواعد التصوف»، وسلسلة الإمام الحداد، و«عوارف المعارف»، وغيرها من كتب التصوف المعروفة بمنهج التصوف.
نبدأ بسفينة النجاة، وأبي شجاع، وعمدة الأحكام.
الآجرومية، ومتممة الآجرومية، وقطر الندى(في النحو والصرف )،وأضف إلى ذلك، البلاغة الواضحة ( في علم البلاغة).
متن السلم، ثم شرح السلم للدمنهوري، وإيساغوجي.
مقرر نظم الورقات حفظًا وشرحًا، ومقرر «الدروس المكية» للشيخ أحمد جابر جبران، ومقرر كتاب “لب الأصول “لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري .
مقرر «صفوة التفاسير» للصابوني، وبقية العلوم كالفرائض، والمنظومة الرحبية، وتكملة زبدة الحديث، وكتاب الترتيب في علم الفرائض.
ومقرر الأجزاء الثلاثة للغوثاني، ومقرر «تحفة الأطفال» و«الجزرية»، وهما مقرران حفظًا.
والمقرر قراءة حفص، وقراءة الدوري.
المقرر هو الكتاب المعروف بـ«اللسان الأم» ، مقرر حديث متطور اعتُمِد مؤخرًا لتجاوز واستدراك الملاحظات في المناهج السابقة وتأهيل الطلاب الأجانب .
يمثل معهد دار الحديث للإرث النبوي بتريم أنموذجًا حيًا للمؤسسات التي تجمع بين أصالة المادة المعرفية وعمق السند الموصول، وبين الترتيب المؤسسي والوعي بالتحديات الفكرية المعاصرة، ليؤكد مجددًا أن مدرسة حضرموت العلمية ولّادة ومتجددة، وقادرة دومًا على حراسة الثوابت ورعاية الإرث النبوي الشريف.
المرجع








